مفاهيم أساسية صحة الإنسان نشر بتاريخ: 28 أغسطس 2026

تضفير الحمض النووي الريبوزي: قصّ الجينات ولصقها

ملخص

تُقدّم العلوم عمومًا وعلم الحياة خصوصًا رحلة شيقة ومليئة بالاكتشاف. فمع فهمك لموضوع علمي محدد بشكل مفصل، تكتشف أشياءً لم تلاحظها على الإطلاق في البداية. وفي بعض الأحيان، يدفعك هذا الاكتشاف الجديد إلى إعادة التفكير في المفاهيم الأساسية التي تعلمتها طوال مسيرتك وإعادة تعريفها. وهذا ما حدث بالضبط بعد اكتشاف عملية اسمها تضفير الحمض النووي الريبوزي (RNA). في هذه العملية، يتم قصّ أجزاء من التعليمات الوراثية ولصقها معًا لتكوين التعليمات النهائية لإنتاج البروتينات. لقد أجبرنا اكتشاف تضفير حمض RNA على إعادة النظر في أفكارنا السابقة حول الجينات وهي أهم الوحدات الأساسية للمعلومات في علم الأحياء. في هذه المقالة، سأعرفك على ما اكتشفناه حول تضفير RNA وكيف أثرت على أفكارنا حول الجينات والاستخدامات الحالية لهذه المعرفة في تحسين حياة الناس بدرجة كبيرة.

فاز البروفيسور Sharp Phillip بجائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب في عام 1993، بالاشتراك مع البروفيسور ريتشارد روبرتس تقديرًا لاكتشافهما الجينات المنقسمة.

من الجينات إلى البروتينات: كيف يوجّه حمض DNA وظائف الخلايا؟

من أهم العمليات الأساسية للحياة قراءة المعلومات الوراثية أو "التعليمات" المُخزّنة في الخلايا على شكل حمض DNA، وتحويل تلك التعليمات إلى بنى ووظائف للكائن الحيّ (الشكل 1). تحدّد التعليمات الموجودة داخل شفرة DNA عملية إنتاج البروتينات، وهي آلات بيولوجية صغيرة تؤدي العديد من الوظائف الحيوية في الجسم. لصنع البروتينات من حمض DNA، يلزم خطوة وسطى اسمها النسخ، وفيها يتم تحويل مجموعة من التعليمات الموجودة في تسلسل DNA (أي الجين) إلى نسخة قابلة للنقل يمكنها الانتقال إلى مصنع إنتاج البروتينات في الخلية. ونسخة حمض DNA هذه المتحكمة في عملية إنتاج البروتينات اسمها الحمض النووي الريبوزي الرسول (mRNA). أما الترجمة، فهي اسم العملية التي يتم فيها إنتاج البروتينات بناءً على التعليمات الموجودة في mRNA.

رسم توضيحي، يوضح عملية نسخ الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (DNA) لإنتاج الحمض النووي الريبوزي الرسول (mRNA)، والذي يخضع بعد ذلك لعملية الترجمة لتكوين بنية بروتينية مطوية.
  • شكل 1 - يحتوي حمض DNA على المعلومات اللازمة لإنتاج البروتينات.
  • وتستخدم الخلايا الحية المعلومات الوراثية الموجودة في حمض DNA لصنع البروتينات من خلال خطوتين أساسيتين. أولهما هو نسخ المعلومات الموجودة بداخل حمض DNA في عملية اسمها النسخ لإنتاج نسخة mRNA قابلة للنقل تحمل تعليمات صنع بروتين محدد. ثم ينتقل mRNA إلى مصنع إنتاج البروتينات في الخلية حيث يتم صنع البروتين المحدد في عملية اسمها الترجمة.

على مدار التطور، ازداد تعقيد عملية تحضير mRNA من حمض DNA. فقد نشأت مرحلة وسطى جديدة تمامًا بين عمليتي النسخ والترجمة وهي تضفير الحمض النووي الريبوزي (RNA). في هذه المرحلة، يتم قص أجزاء منفصلة من mRNA ولصقها معًا لإنتاج النسخة النهائية من mRNA. في الأقسام التالية، سنشرح هذه المرحلة وكيف اكتشفناها وفوائدها وكيف يمكن استخدام هذه المعرفة لمساعدة المصابين بأمراض معينة.

أهمية النوى لتضفير الحمض النووي الريبوزي

إن أقدم الأنواع التي وُجدت على كوكب الأرض كانت لديها خلية واحدة فقط بدون أي نواة [1]، ولذلك لم تكن مادتها الوراثية مفصولة عبر غشاء عن باقي محتوى الخلية. لم تكتسب الخلايا النوى إلا بعد مليار إلى 1.5 مليار سنة من التطور. والكائن الحي الذي لا تحتوي خلاياه على نواة يكون بدائي النواة، أما الكائن الحي الذي لديه نواة في خلاياه، فهو حقيقي النواة. وتُعد البكتيريا من الأمثلة المعروفة للكائنات بدائية النواة. في المقابل، فكل الثدييات، بما في ذلك البشر، من الكائنات حقيقية النواة.

تم اكتشاف عملية إنتاج البروتينات لأول مرة في البكتيريا. فقد لاحظ الباحثون تكوّن نسخة mRNA من جزء متصل من حمض DNA (جين) ثم ترجمته وتحويله إلى بروتين محدد (الشكل 2 على اليسار) [2]. في ذلك الوقت، كان يظن أغلب الباحثين أن هذه العملية متماثلة في الخلايا حقيقية النواة. ولكن بعد مرور بعض السنين، اكتشفنا وجود خطوة إضافية قبل الترجمة وبعد النسخ في الخلايا حقيقية النواة [3]. في هذه الخطوة، يتم تضفير mRNA الناتج من خلال النسخ (أي قصّه ولصقه) لإنتاج mRNA النهائي الذي يشارك في الترجمة. وتكون النسخة الأولية من حمض DNA هي pre-mRNA، أما النسخة النهائية بعد حدوث التضفير، فهي mRNA الناضج (الشكل 2 على اليمين).

رسم بياني يقارن تدفق المعلومات الوراثية في بكتيريا وخلايا حقيقية النواة، يوضح النسخ والترجمة. في البكتيريا، تحدث النسخ والترجمة معًا في السيتوبلازم، بينما في الخلايا حقيقية النواة، يحدث النسخ في النواة مع معالجة الحمض النووي الريبوزي الرسول الأولي (pre-mRNA)، يليه الترجمة في السيتوبلازم.
  • شكل 2 - إنتاج البروتينات في الخلايا حقيقية وبدائية النواة: (اليسار) في الخلايا بدائية النواة مثل البكتيريا والتي لا توجد بها نواة، يتم إنتاج mRNA من حمض DNA عن طريق النسخ، ثم يمر مباشرةً بعملية الترجمة لتكوين بروتين محدد.
  • (اليمين) في الخلايا حقيقية النواة، يتم صنع pre-mRNA عن طريق عملية النسخ في نواة الخلية. وبعد ذلك، يدخل pre-mRNA في مرحلة معالجة إضافية اسمها تضفير الحمض النووي الريبوزي (RNA). وفي هذه المرحلة فقط، يغادر mRNA النواة وينتقل إلى مصنع إنتاج البروتينات، حيث تحدث خطوة الترجمة (الصورة منقولة بتصرف من Khan Academy).

التضفير: قصّ RNA ولصقه

تخيّل عملية تضفير RNA، والتي يتحول فيها pre-mRNA إلى mRNA ناضج، مثل تحرير كتاب. لنفترض أن لديك كتابًا به أجزاء ذات كلمات مترابطة يجمعها معنى، ثم الكثير من الكلمات غير المفهومة (بلا معنى)، وبعد ذلك كلمات أخرى مترابطة ولها معنى معًا.

حتى يكون الكتاب قابلاً للقراءة، عليك إزالة الكلمات غير المفهومة وربط الأجزاء التي لها معنى لتكوين جملة مفيدة أو مفهومة للقارئ. في حالة mRNA، يتضح أنه يتم إنتاج pre-mRNA من تسلسلات DNA المشفّرة وغير المشفّرة. والتسلسلات المشفّرة اسمها الإكسونات، أما التسلسلات غير المشفّرة، فهي الإنترونات. وعندما يتم تضفير جزيء pre-mRNA، تتجمع الأجزاء المشفّرة ويتم التخلص من الأجزاء غير المشفّرة وتدميرها. وعملية "القصّ واللصق" هذه تنتج mRNA الناضج الذي يُستخدم لصنع البروتينات.

ولكن لماذا تمتلك الخلايا حقيقية النواة هذه الإنترونات غير المشفّرة في حمض DNA من الأساس؟ يتساءل العلماء أيضًا عن ذلك، ولا نملك إجابة قاطعة حتى الآن. نعلم أن لدى البشر 23,000 جين تقريبًا، ويتكون أغلبها من عدة إكسونات يتم تضفيرها في تركيبات مختلفة في خلايا مختلفة أو في أوقات مختلفة في بعض الخلايا. ومعنى هذا أنه من الممكن إنتاج عدة بروتينات (وبالتالي عدة وظائف) من الجين نفسه من خلال تحديد الإكسونات التي يتم ربطها معًا، وهذا هو التضفير البديل (الشكل 3). يرى بعض العلماء أن التضفير البديل هو العملية التي أتاحت ظهور وتطوّر كائنات حية معقدة مثل البشر. تسمح هذه العملية بتوظيف حمض DNA بكفاءة، فالكائنات الحية التي تستخدمها يمكنها إنتاج بروتينات معقدة وأداء وظائف معقدة بالاستعانة بعدد أقل من الجينات.

رسم توضيحي يوضح التوصيل البديل، حيث يتم نسخ قطعة من الحمض النووي تحتوي على خمسة إكسونات إلى الحمض النووي الريبوزي (RNA)، ويتم ربط مجموعات مختلفة من الإكسونات لإنشاء ثلاث تسلسلات مختلفة من الحمض النووي الريبوزي الرسول (mRNA)، ينتج كل منها بروتينًا مختلفًا يُطلق عليه البروتين أ، والبروتين ب، والبروتين ج.
  • شكل 3 - التضفير البديل: في هذه العملية، يتم ربط الإكسونات معًا في تركيبات مختلفة، فتتكون جزيئات mRNA مختلفة وبالتالي بروتينات مختلفة ذات وظائف معقدة من الجين نفسه.
  • وقد تكون هذه هي الميزة التطورية التي سمحت بنشوء وتطور كائنات حية معقدة مثل البشر (الصورة منقولة بتصرف من Wikipedia).

دور الفيروسات في اكتشاف تضفير RNA

لدراسة تضفير mRNA في مختبرنا، استخدمنا فيروسًا اسمه الفيروس الغدي من النوع الثاني [3] ويتميز بحمض DNA قصير نسبيًا، كما أنه يستخدم خلايا حيوانات لمضاعفة حمضه النووي بسرعة كبيرة. معنى هاتين الحقيقتين أن هذا الفيروس الغدي سهل الاستخدام إلى حدٍّ ما في الدراسات العلمية لأنه نظام بسيط ينتج عدة نسخ من نفسه بشكل طبيعي.

بعد اختيار الفيروس الغدي من النوع الثاني كنظام دراستنا، أردنا مقارنة حمض DNA لديه بجزيئات mRNA الخاصة به. في حالة التطابق التام بين mRNA وجزء محدد من حمض DNA، فهذا يدل على نسخ mRNA مباشرةً من DNA دون حدوث عملية التضفير، كما في حالة البكتيريا. ولكن في حالة عدم تطابق mRNA مع جزء DNA المحدد، فهذا يشير إلى حدوث التضفير لإنتاج mRNA الناضج.

لإجراء المقارنة بين DNA وmRNA، اخترنا mRNA الأكثر شيوعًا في الفيروس الغدي من النوع الثاني، والذي يحمل شفرة إنتاج بروتين اسمه الهكسون. وعندما أجرينا مقارنة بين mRNA هذا والجزء المحدد من DNA، وجدنا منطقتين غير متطابقتين بين mRNA وDNA. المنطقة الأولى هي الطرف 3′ من سلسلة mRNA (الشكل 4، الدائرة الخضراء)، وكنا نعرف بالفعل أن هذه المنطقة عبارة عن "ذيل" خاص يُضاف إلى mRNA لحمايته وهو يتنقل في الخلية. وكانت المنطقة الأخرى غير المتطابقة هي الطرف الآخر من سلسلة mRNA، وهو 5′ (الشكل 4، الدائرة الزرقاء). وقد فاجأنا هذا الاكتشاف لأن الطرف 5′ منجزيءmRNA كان به جزء طويل من mRNA لم يتطابق مع القسم المحدد من حمض DNA، ولم نكن نعرف مصدره.

يوضح الشكل (أ) تمثيلاً تخطيطياً لحلقة R، حيث تتشابك خيوط RNA حمراء مع أحد خيوط DNA مزدوجة سوداء، لتشكل بنية DNA حلقية. تشير الدوائر الزرقاء والخضراء إلى نهايات RNA الأولية 5 و 3 على التوالي. يقدم الشكل (ب) رسماً بيانياً يوضح خيوط DNA و RNA بشكل منفصل على اليسار، وعلى اليمين، توضيحاً مُعنوناً لبنية حلقة R حيث يغزو RNA المزدوج DNA.
  • شكل 4 - ساعدتنا المقارنة بين حمض DNA للفيروس الغدي وmRNA الخاص به في اكتشاف تضفير RNA.
  • (A) في دراستنا، استخدمنا فيروسًا اسمه الفيروس الغدي للتحقق من تضفير mRNA في الخلايا حقيقية النواة. وعندما قارنّا الجزء المحدد من حمض DNA (الخط الأسود السميك؛ بينما يمثل الخط الأسود الرفيع سلسلة DNA الأخرى التي انفصلت) مع mRNA (الخط الأحمر) الذي يحمل شفرة صنع بروتين الهكسون، اكتشفنا مكانين غير متطابقين، وهما الطرفان 3′ و5′ منmRNA (الدائرتان الخضراء والزرقاء). وقد اندهشنا باكتشاف أن جزءًا طويلاً من الطرف 5′ من mRNA لم يكن مرتبطًا بحمض DNA، ودلّ ذلك على مشاركة عملية أخرى في صنع mRNA. (B) مخطط توضيحي يبين كيفية ارتباط سلسلة RNA بسلسلة DNA، عندما يتم فصل سلسلتي DNA في التجارب [الصورة منقولة بتصرف من Berk [4]].

ولحل هذا اللغز، كان علينا معرفة مصدر المنطقة غير المتطابقة في الطرف 5′ من mRNA. وبعد عدة نقاشات، توصّلنا إلى أن الجزء غير المتطابق ربما يأتي من مكان مختلف في حمض DNA. ويعني ذلك وجود جزء متصل من حمض DNA كان يحمل شفرة معظمmRNA الخاص بالهكسون، وجزء مختلف في مكان ما في الحمض كان يحمل شفرة الطرف 5′. وللتحقق من فهمنا، أجرينا مقارنة بين mRNA الخاص بالهكسون وجزء آخر من حمض DNA يقع بالقرب من الجزء الذي طابق أغلب mRNA الخاص بالهكسون في تجربتنا الأولى.

وقد أدهشنا ما اكتشفناه للغاية: فالطرف 5′ من mRNA الخاص بالهكسون كان متصلاً بحمض DNA في أربعة أجزاء منفصلة، وكانت هناك ثلاث حلقات DNA بين تلك الأجزاء (الشكل 5). ومعنى ذلك أن هذا الطرف نتج عن تضفير أربعة إكسونات منفصلة كانت تفصل بينها ثلاثة إنترونات.

رسم توضيحي لعملية تضفير جين الهكسون في الفيروس الغدي. يوضح الشكل (أ) الجين مع الإنترونات الزرقاء والإكسونات السوداء، مع وجود الرنا المرسال الأولي الذي يحتوي على أجزاء متعددة والرنا المرسال الناضج كقطعة واحدة متصلة. يقدم الشكل (ب) مخططًا هجينًا للحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (DNA) والحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) مع تسمية الإكسونات والإنترونات. يصور الشكل (ج) المحاذاة الخطية للرنا المرسال للهكسون مع الحمض النووي للفيروس الغدي، مع تسليط الضوء على الحلقات أ، ب، ج. يتضمن مفتاحًا للإكسونات والإنترونات.
  • شكل 5 - تضفير mRNA الخاص بالهكسون: (A) يحتوي جزء من جين الهكسون (DNA) على أربعة إكسونات وثلاثة إنترونات، ومنها يتم تضفير الطرف 5′ من mRNA الخاص بالهكسون.
  • ويُعد pre-mRNA نسخة مباشرة من حمض DNA، ولكن تم تضفير mRNA الناضج للتخلص من الإنترونات. (B) في تجاربنا، كانت بعض أجزاء DNA لدى الفيروس الغدي مرتبطة بالطرف 5′ من mRNA الخاص بالهكسون (باللون الأحمر)، بينما لم تكن الأجزاء الأخرى من DNA مرتبطة وكوّنت ثلاث حلقات اسمها "a" و"b" و"c". والأجزاء المرتبطة هي الإكسونات، والحلقات هي الإنترونات. (C) أرتبط جزيء mRNA الكامل والمُضفّر للهكسون بحمض DNA الخاص بالفيروس الغدي [حقوق الصور: (A, B) منقولتان بتصرف من Berget et al. [3(C) Phillip A. Sharp].

وقد كان هذا اكتشافًا جديدًا تمامًا لأنه لم يشر أي أحد من قبل إلى إمكانية قصّ mRNA ولصقه من أجزاء DNA منفصلة. وقد غيّر اكتشاف تضفير RNA طريقة تفكيرنا بشأن الجينات.

إعادة التفكير في معنى "الجين"

قبل أن نكتشف تضفير RNA، كنا ننظر إلى الجين كجزء متصل من DNA يحمل شفرة صنع بروتين معين. ولكن هذا الاكتشاف علّمنا أن العديد من الجينات منقسمة، أي أنها مُجمّعة من أجزاء DNA مختلفة وغير متصلة (إكسونات). بالإضافة إلى ذلك، فنحن نعلم أن هذه الأجزاء يمكن "خلطها ومطابقتها" لإنشاء العديد من البروتينات المختلفة. وهناك أمثلة على مجموعة معينة من الإكسونات تحمل شفرة إنتاج عشرات الآلاف من البروتينات المختلفة [5].

إذا لم يكن الجين تسلسل DNA متصلاً يحمل شفرة إنتاج بروتين واحد، فما هو الجين بالضبط؟ لا نعلم الإجابة الكاملة حتى الآن. فكما يحدث كثيرًا في الأبحاث العلمية، نواجه قدرًا هائلاً من التعقيد، وقد لا نجد بعض الإجابات. وعلى الرغم من ذلك، نحاول دومًا توسيع نطاق معرفتنا والاستفادة من المعلومات التي نملكها بالفعل. كما سترى في القسم التالي، يتم استخدام معرفتنا بتضفير RNA للمساعدة في تحسين حياة المرضى، ومنهم أطفال بعمرك.

تضفير RNA وخدمة البشرية

يُعدّ تضفير الحمض النووي الريبوزي (RNA) عملية أساسية لكل الكائنات الحية، بمن فيهم البشر. وهي تتيح للكائن الحي "تشغيل" أو "إيقاف" جينات معينة، وبالتالي مساعدته في تنفيذ العديد من العمليات المعقدة اللازمة للحياة. وكما هو الحال مع كل العمليات البيولوجية المهمة، عندما يحدث خلل ما، يمكن أن تنشأ الأمراض. ولعلاجها، علينا فهم آلية العملية البيولوجية المختلة ثم محاولة التوصل إلى طريقة إصلاحها.

تستند بعض التطورات الطبية المهمة إلى تضفير RNA. فقبل بضع سنوات ولأول مرة في التاريخ، تمكنا بنجاح من علاج أطفال كانوا يعانون من مرض وراثي اسمه ضمور العضلات الشوكي. وينتج هذا المرض عن طفرة في DNA تؤدي إلى تعطيل تضفير RNA لجين معين، فيتم التخلص من إكسون مهم. وتتسبب هذه الطفرة في فقدان المرضى تدريجيًا لخلايا في الحبل الشوكي تتحكم في عضلاتهم. ومع تدهور خلايا الحبل الشوكي والعضلات، يحدث فقدان تدريجي في وظيفة العضلات، فتنشأ إعاقات شديدة وتقل جودة الحياة. قبل اكتشاف تضفير RNA، كان ضمور العضلات الشوكي مرضًا مميتًا. ولكن بعد هذا الاكتشاف، يمكننا التحكم في عملية التضفير بحيث يشمل mRNA الناضج الإكسون المفقود. وهذا يتيح إنتاج بروتين يعمل بشكل جيد، ويسمح لمرضى ضمور العضلات الشوكي بالنمو بشكل طبيعي أكثر وعيش حياة طبيعية إلى حد كبير.

وهذا مثال واحد على دور المعرفة بتضفير RNA في المساهمة في تحسين حياة الناس. وقد أسست شركتين تستخدمان هذه المعرفة لتطوير تطبيقات طبية مهمة. وهما Biogen وAlnylam Pharmaceuticals، ويمكنك معرفة المزيد عنهما بالنقر على الرابطين.

لقد كان من المثير للاهتمام للغاية اكتشاف عملية تضفير RNA، ودراستها بالكامل، والتفكير في معناها وكيفية استخدامها، ورؤية تحوّل المعرفة العلمية إلى علاج يحسّن حياة الأطفال الصغار بعد مرور 30 إلى 40 عامًا من هذا الاكتشاف. وهذا أمر شائع في العلوم، كما أنه أحد الأشياء التي تبعث على الشعور بالإنجاز بالنسبة للعلماء وخاصةً في مجال علم الطب الحيوي. لا يكتشف العلماء فقط أسرارًا عميقة حول الأنظمة الحيوية، بل تؤدي المعرفة المستخلصة في بعض الأحيان إلى طرق لمساعدة الآخرين. ومن أكثر الأشياء المرضية التي يمكن للمرء القيام بها في الحياة مساعدة الآخرين، بما في ذلك مساعدتهم على فهم المزيد حول العالم وعن طبيعتهم وعلاقتهم بالآخرين. وهذا الفهم هو ما يجعل البشر فريدين من نوعهم ومثيرين للاهتمام.

نصائح للعلماء الصغار

سأشارك معك ما تعلمته أثناء نشأتي ودراستي ومحاولتي اكتشاف المجال المهني الذي أريده. لقد وجدت أن اتباع شغفي واهتماماتي أمدّني بالتحفيز لتعلم أكبر قدر ممكن من المعلومات حول تلك المواضيع، مما أتاح لي القيام بمساهمات مهمة في المجتمع. إذا حاولت أن تكون عمليًا أكثر من اللازم في الحياة وعدم تخصيص بعض الوقت للحلم بالمستقبل، فقد لا يكفي المستقبل لتحقيق أحلامك. ومع ذلك، إذا أغرقت نفسك في أحلام اليقظة، فقد لا تجد أبدًا الدافع لحل التحديات التي ستواجهها وأنت تسعى لتحقيق أهدافك. لذا اتبع فضولك وإذا قادك إلى شيء تشعر بالشغف تجاهه، فكرّس له نفسك بالكامل. أنت لا تعلم كيف سيكون شكل العالم بعد 20 إلى 30 عامًا من الآن، ولذلك افعل ما يحفزك للتعلّم وخصّص الوقت للاستمتاع برحلتك أثناء القيام بذلك.

تذكّر أيضًا أن الحياة ليست طريقًا مستقيمًا، فهي لا تسير غالبًا وفق خطوات متوقعة، بل تأخذ الكثير من المسارات المحتملة. وفي أوقات معينة من حياتك، ستأتي لحظات عليك اتخاذ قرارات فيها. وكل قرار تتخذه سيأخذك في طريق مختلف. وقد تكون هذه الطرق مختلفة تمامًا عن بعضها، ولا سيما عندما تتخذ قرارات لها تأثيرات طويلة المدى، ولكن هذا أمر طبيعي، لذلك، عندما تصل إلى مفترق طرق، اختر واحدًا. ولا تنس الاستمتاع برحلتك ومتابعة شغفك وأنت تقوم بذلك.

مسرد للمصطلحات

حمض DNA (DNA): المعلومات الوراثية المُخزنة في الخلايا.

البروتينات (Proteins): آلات بيولوجية صغيرة تشارك في العديد من الوظائف الحيوية في الجسم، مثل حركة العضلات والهضم والمناعة.

النسخ (Transcription): العملية التي يتم فيها نسخ حمض DNA وتحويله إلى mRNA.

الجين (Gene): جزء أو عدة أجزاء من حمض DNA بها تعليمات إنتاج البروتينات.

الحمض النووي الريبوزي الرسول (mRNA) (Messenger RNA (mRNA)): حمض RNA المُستخدَم لإنتاج البروتينات.

الترجمة (Translation): العملية التي يتم فيها إنتاج البروتين بناءً على التعليمات الموجودة في mRNA.

بدائي النواة (Prokaryote): كائن حيّ، مثل البكتيريا، لا تحتوي خلاياه على نواة.

حقيقي النواة (Eukaryote): كائن حيّ، مثل البشر والثدييات الأخرى، تحتوي خلاياه على نواة.

الإكسون (Exon): جزء "مُشفّر" من الجين يُستخدم في إنتاج بروتين.

الإنترون (Intron): جزء "غير مُشفّر" من الجين تتم إزالته من pre-mRNA لإنتاج mRNA الناضج.

التضفير البديل (Alternative Splicing): استخدام تركيبات مختلفة من الإكسونات لإنتاج بروتينات متعددة من الجين نفسه.

إقرار تضارب المصالح

يعلن المؤلفون أن البحث قد أُجري في غياب أي علاقات تجارية أو مالية يمكن تفسيرها على أنها تضارب محتمل في المصالح.

شكر وتقدير

أود شكر نوا سيغيف على إجراء المقابلة التي استند إليها هذا المقال وعلى مشاركتي في تأليفه، كما أتوجه بالشكر إلى زهافا كوهين على توفير الأشكال.

مواد إضافية

RNA Splicing: What is a Gene?—Phillip A. Sharp.

Nobel Lecture: Split Genes and RNA Splicing—Phillip A. Sharp.

إفصاح أدوات الذكاء الاصطناعي

تم إنشاء النص البديل (alt text) المرفق بالأشكال في هذه المقالة بواسطة "فرونتيرز" (Frontiers) وبدعم من الذكاء الاصطناعي، مع بذل جهود معقولة لضمان دقته، بما يشمل مراجعته من قبل المؤلفين حيثما كان ذلك ممكناً. في حال تحديدكم لأي خطأ، نرجو منكم التواصل معنا.


المراجع

[1] Cooper, G. M. 2000. “The cell: a molecular approach,” in The Origin and Evolution of Cells, 2nd Edn (Sunderland, MA: Sinauer Associates). Available online at: https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK9841/

[2] Jacob, F., and Monod, J. 1961. On the regulation of gene activity. Cold Spring Harb. Symp. Quant. Biol. 26:193–211. doi: 10.1101/SQB.1961.026.01.024

[3] Berget, S. M., Moore, C., and Sharp, P. A. 1977. Spliced segments at the 5′ terminus of adenovirus 2 late mRNA. Proc. Natl. Acad. Sci. U.S.A. 74:3171–5. doi: 10.1073/pnas.74.8.3171

[4] Berk, A. J. 2016. Discovery of RNA splicing and genes in pieces. Proc. Natl. Acad. Sci. U.S.A. 113:801–5. doi: 10.1073/pnas.1525084113

[5] Schmucker, D., Clemens, J. C., Shu, H., Worby, C. A., Xiao, J., Muda, M., et al. 2000. Drosophila Dscam is an axon guidance receptor exhibiting extraordinary molecular diversity. Cell 101:671–84. doi: 10.1016/S0092-8674(00)80878-8