Frontiers for Young Minds

Frontiers for Young Minds
القائمة
مفاهيم أساسية نشر بتاريخ: 22 يناير 2021

قياس المسافات إلى المجرات

ملخص

يُعد قياس المسافات إلى المجرات الأخرى جزءًا مهمًا من قدرتنا على فهم آلية عمل الكون. يمكن لعلماء الفلك استخدام ما تُسمى بتقلبات السطوع السطحي (التي تُسمى اختصارًا SBF)، بجانب لون المجرة لحساب مدى بعدها عن الأرض. معظم المجرات التي تم قياسها بهذه الطريقة تبعد ملايين السنين الضوئية.

الفضاء الفسيح

يقول Douglas Adams في كتابه، دليل المسافر إلى المجرة (The Hitchhiker’s Guide to the Galaxy): "إن الفضاء كبير جدًا حقًا، فأنت فقط لا تتخيل مدى ضخامته وفساحته غير المعقولة" [1].

هو لم يكن يمزح أيضًا. فلنتخيل الأمر بهذه الطريقة، تصور أنك على الطريق الفيدرالي السريع (أوتوبان) بألمانيا. وتقود سيارة فيراري، بسرعة تقترب من 300 كيلومتر في الساعة (186 ميلًا في الساعة). إذا لم تكن مضطرًا للتوقف، فيمكنك أن تدور حول الأرض في حوالي 133 ساعة أو 5 أيام ونصف يوم. تخيل الآن إذا أصبحت سيارتك الفيراري قادرة على السفر إلى الشمس فجأة. قد يستغرق الوصول إلى الشمس وقتًا يزيد بـ 4000 مرة تقريبًا عن وقت القيادة حول الأرض. أي 22,000 ألف يوم تقريبًا في الفيراري! أقرب نجم بخلاف الشمس يُدعى رجل القنطور (أو ألفا سنتوري) وللوصول إلى هناك، سيكون ذلك يشبه القيادة إلى الشمس 300,000 ألف مرة تقريبًا. تقع أقرب مجرة، وهي مجرة المرأة المسلسلة (أندروميدا)، على مسافة أبعد 600,000 ألف مرة من نجم رجل القنطور. وتقع أبعد مجرات أتولى قياس مسافاتها على مسافة أبعد بـ 100 مرة من مجرة المرأة المسلسلة، وللوصول إلى نهاية الكون المرئي، عليك أن تذهب إلى مسافة 150 مرة أبعد من ذلك تقريبًا2. وعلى أي حال، إذا كنت ترغب في القيادة إلى نهاية الكون المرئي أو إلى أي مكان في الفضاء، فإن الأمر سيستغرق وقتًا طويلًا للغاية.

قياس الفضاء باستخدام الفرسخ الفلكي

نظرًا لاتساع الفضاء، لا يُفضل العديد من علماء الفلك تحديد مدى بُعد الأجسام باستخدام الأميال أو الكيلومترات؛ ولكن بدلًا من ذلك، نستخدم وحدة قياس تسمى الفرسخ الفلكي. هل تتذكر رجل القنطور، أقرب نجم لنا؟ يبعد 1.347 فرسخ فلكي أو 41,560,000,000,000 (أو 41.56 تريليون) كيلومتر. أُفضل استخدام الفرسخ الفلكي لأنه بالنسبة لي، أسهل في الاستخدام والفهم مقارنة بجميع الأصفار التي تكون موجودة عندما نستخدم الكيلومترات.

مجرات ذات نتوءات

من الرائع أن الفضاء كبير للغاية، أو على الأقل أعتقد ذلك. ولكن كيف لنا أن نعرف مدى اتساع الفضاء؟ ثمة العديد من الطرق المختلفة لقياس الأجسام في الفضاء، ولكنني أركز على قياس المسافة إلى المجرات باستخدام طريقة خاصة للغاية تُسمى تقلبات السطوع السطحي. لشرح الطريقة التي تعمل بها تقلبات السطوع السطحي، فلتلق نظرة عن كثب على شاشة الهاتف أو جهاز الكمبيوتر الذي تقرأ عليه هذا المقال. إذا كانت الشاشة قريبة للغاية من وجهك، فستتمكن من رؤية النقاط الضوئية (البكسلات) أو الأضواء الصغيرة التي تشكل الصورة التي تراها، على الشاشة. والآن، ابتعد قليلًا حتى لا تتمكن من رؤية النقاط الضوئية.

يمكنك رؤية النقاط الضوئية على الشاشة بوضوح عندما تكون قريبًا لأن الشاشة تتكون من عدد كبير من النقاط الضوئية. وبالمثل، فإن المجرات ليست سوى مجموعة من النجوم المجتمعة معًا. لكن المجرة ليست شاشة هاتف، إنما تعمل بطريقة مماثلة. فعندما تكون المجرات قريبة منا، نرى نتوءات أكبر قادمة من تلك المجرة بسبب الطريقة التي تتموضع بها النجوم في المجرات. تمامًا مثل الشاشة، عندما تكون المجرات بعيدة للغاية، تمتزج هذه النجوم معًا، وستبدو المجرة ملساء للغاية، على نحو مماثل للطريقة التي تمتزج بها النقاط الضوئية على الشاشة معًا عندما تبتعد عنها. في الشكل 1 يمكنك أن ترى كيف تبدو أقرب مجرة بسطح أكثر تعرجًا ونتوءات من أبعد مجرة. عندما نعرف حجم النتوءات، بسبب طريقة تموضع النجوم في المجرة، فإن ذلك يساعد علماء الفلك في معرفة عدد النجوم الموجودة في المجرة.

شكل 1 - الصورة الموجودة إلى اليمين هي للمجرة M32، والموجودة بجانب مجرة المرأة المسلسلة مباشرةً، والتي تبعد 0.77 ميجا فرسخ فلكي، أو 770,000 فرسخ فلكي.
  • شكل 1 - الصورة الموجودة إلى اليمين هي للمجرة M32، والموجودة بجانب مجرة المرأة المسلسلة مباشرةً، والتي تبعد 0.77 ميجا فرسخ فلكي، أو 770,000 فرسخ فلكي.
  • المجرة الموجودة إلى اليمين هي NGC 7768 وتبعد 120 ميجا فرسخ فلكي أو 120,000,000 فرسخ فلكي. تبدو M32 أكثر نتوءًا من NGC 7768، لأنها أقرب لنا. وتأتي كلتا الصورتين من مرصد Gemini1.

قياس النتوءات

لقياس حجم "النتوءات" في مجرة بعيدة، نحتاج إلى إزالة الجزء الرئيسي من المجرة من الصورة للتركيز على النتوءات. للقيام بذلك، يُنشئ الحاسوب صورة للمجرة تبدو ملساء وخالية من النتوءات حقًا وتشبه تلك التي التقطنا صورة لها. ثم نأخذ الصورة الملساء التي أنتجها الحاسوب ونطرحها من الصورة الأصلية، بحيث تترك لنا نتوءات المجرة فقط كما هو موضح في الشكل 2.

شكل 2 - تظهر المجرة NGC 0524 إلى اليمين.
  • شكل 2 - تظهر المجرة NGC 0524 إلى اليمين.
  • بعد أن يزيل الكمبيوتر الجزء الرئيسي من المجرة من الصورة، تتبقى النتوءات فقط، التي تظهر إلى اليمين. تعتمد أحجام نتوءات المجرات على مدى بعد المجرة عنا ودرجة حرارتها. تم التقاط صورة هذه المجرة باستخدام تليسكوب هابل الفضائي3.

بمجرد حصولنا على النتوءات فقط في الصورة، يتعين علينا التعرف على شيء يُسمى طيف القدرة. يعرفنا طيف القدرة على عدد النتوءات الكبيرة الموجودة في المجرة، مقارنة بعدد النتوءات الصغيرة فيها. إذا أخبرنا طيف القدرة أن هناك الكثير من النتوءات المفصّلة والحادة في الصورة، فقد يعني ذلك أن المجرة أقرب إلينا. إذا كانت المجرة نفسها بعيدة، فسيعرض طيف القدرة نتوءات أقل تفصيلًا وتجانسًا في الصورة. إذا كنت تعرف لون تلك المجرة وعدد النجوم الموجودة بها، فيمكنك معرفة مقدار الضوء الذي يجب أن تراه إذا كانت على بعد مسافة معينة.

المجرات الملونة

تخيل أنك جالس مع أصدقائك حول نار المخيم، وتقومون بشواء بعض حلوى الخطمي الشهية. هل تساءلت يومًا، لماذا تكون بعض أجزاء النار حمراء وبعضها برتقاليًا وبعضها أصفر وبعضها أبيض؟ يرجع هذا إلى أن الأجزاء الباردة من النار تبدو باللون الأحمر، وتبدو الأجزاء الساخنة باللون البرتقالي، وتبدو الأجزاء الأسخن باللون الأصفر، وتبدو الأجزاء الأكثر سخونة على الإطلاق باللون الأبيض. إذا تمكنت من إشعال النار بدرجة سخونة كافية، فستبدأ في الظهور باللون الأزرق (لكنها قد تسبب لك أيضًا حروقًا شمسية خطيرة للغاية). تبدو المجرات بنفس الطريقة. تمامًا مثل النار، عندما تحتوي المجرات على نجوم أكثر برودة، فإنها تبدو باللون الأحمر، وعندما تحتوي على نجوم أكثر حرارة، تبدو أكثر زرقة. عندما نعرف لون المجرة، نعرف درجة حرارة النجوم. ومن لون المجرة يمكننا معرفة مقدار الضوء الذي تخلقه النجوم في المجرة، وبمجرد أن نعرف مقدار الضوء الذي يخلقه كل نجم، وعلى افتراض معرفتنا بإجمالي عدد النجوم الموجودة، يمكننا معرفة مدى سطوع المجرة على مسافة معينة.

الاستدلال على المسافة بالألوان والنتوءات

تخيل أنك تجلس بالقرب من نار المخيم. عندما تكون جالسًا إلى جوار النار مباشرة، يمكنك أن تشعر بدفئها وقد يكون لديك ما يكفي من الضوء لقراءة كتاب. ولكن تخيل أنك بدأت في الابتعاد عن النار. ستشعر بالبرودة بشكلٍ أسرع، وسرعان ما سيكون الظلام حالكًا بحيث لن تتمكن من القراءة كما ترى في الشكل 3. كما ستظهر النار بلون واحد فقط، بدلًا من مجموعة من الألوان. وهذا ليس لأن النار تنطفئ، أو لأنها بلون واحد الآن، ولكن لأنك تبعد عن النار. إذا عقدت مقارنة دقيقة بين شكل النار عندما تكون إلى جوارها وشكلها عندما تبتعد عنها، فيمكنك حساب المسافة التي قطعتها سيرًا. وكما هو الحال مع نار المخيم، فإننا نرى قدرًا أقل من ضوء المجرات وتفاصيلها كلما كانت تبتعد عنا.

شكل 3 - ويُظهر هذا صورتين لنار المخيم.
  • شكل 3 - ويُظهر هذا صورتين لنار المخيم.
  • الصورة الموجودة إلى اليسار قريبة بدرجة تكفي لرؤية ألوان مختلفة.4 إذا كنت تجلس على مقربة من النار، فقد تشعر بحرارتها حتى أنك قد تتمكن من شواء بعض حلوى الخطمي. إلى اليمين، ما تزال النار مرئية ولكنها خافتة، لأنها أبعد. تبدو النار وكأنها من لون واحد ولن تتمكن من الشعور بحرارتها.

تعتمد درجة نتوء المجرة على مدى بعدها ولونها، وهذا هو سبب الحاجة إلى كلا النوعين من البيانات. يُخبرنا لون المجرة بدرجة حرارة النجوم ومقدار الضوء الذي تنتجه، وبعد معرفة درجة حرارة النجوم وحجم نتوءات المجرة، يمكننا معرفة عدد النجوم الموجودة في تلك المجرة ومقدار الضوء الذي تنتجه المجرة. ومن ذلك، يمكن لعلماء الفلك أخيرًا حساب المسافة التي تبعدها المجرة عن الأرض، لأنهم يعرفون مدى سطوع المجرة إذا كانت على مسافة معينة، تمامًا بنفس الطريقة التي تمكنك من قياس المسافة التي قطعتها عن طريق مقارنة الضوء القادم من النار.

لماذا تعد المسافات مهمة؟

ثمة العديد من الأسباب التي تدفعنا إلى قياس المسافات إلى المجرات، على الرغم من أن هذا قد يُكبد العلماء الكثير من العمل. إذا لم نكن نعرف المسافة إلى المجرة، فلن نتمكن من معرفة حجم المجرة، ولن نعرف حجم الثقب الأسود الموجود بالمجرة، أو عدد نجومها، وغير ذلك من الأمور. وإذا لم نكن على علم بالمسافة التي تفصل بيننا وبين الأجرام السماوية، فسيكون من الصعب للغاية اختبار نظريات أخرى رائعة يطرحها علماء الفلك؛ مثل نظريات المادة المظلمة والطاقة المظلمة وغير ذلك من أسرار الكون. إذا لم نعرف المسافة التي تبعدها الأجسام. وإذا لم نتوصل أبدًا إلى الكيفية التي يمكننا بها قياس المسافات في الفضاء، فلن نتمكن من فهم حقيقة الكون وتركيبه الفعلي.

ولقد سُئلت أيضًا: "لماذا من المهم معرفة ما يبدو عليه الكون؟" من المهم أن نفهم آلية عمل الكون لأنه عندما نفعل ذلك، سنتمكن من استخدام هذه المعرفة لخلق أشياء مذهلة وتنفيذها. قبل أكثر من 300 سنة، اكتشف السير إسحاق نيوتن الطريقة التي تدور بها الكواكب حول الشمس، وكان هذا اكتشافًا رائعًا في حد ذاته، ولكن ما لا يدركه معظم الناس هو أنه كان يطور حساب التفاضل والتكامل4 أيضًا بهذا الاكتشاف. حساب التفاضل والتكامل هو فرع من فروع الرياضيات، ساعد البشر على اختراع أشياء مثل الأقمار الصناعية وأجهزة الكمبيوتر والهواتف والإنترنت وأدوات للأطباء من أجل إنقاذ الأرواح. حتى الطعام الذي تتناوله والملابس التي ترتديها موجودة لأن العلماء اكتشفوا اكتشافات رائعة حول الطريقة التي يعمل بها كوننا.

لذا فنحن نعلم أهمية فهم المسافات في الفضاء، لأن هذه المعلومات ستساعدنا في معرفة آلية عمل الكون. ولكن ما سبب أهمية استخدام تقلبات السطوع السطحي؟ إذا كنت تتذكر حجم الفضاء الكبير، وكيف أن كل الأجسام تقع على بعد مسافات كبيرة للغاية، فمن الصعب حقًا قياس المسافات إلى المجرات البعيدة. نحن نعلم كم تبعد بعض المجرات، ولكن بشكلٍ عام، فإن المجرات المعروفة لنا قريبة حقًا من الأرض. إذا أردنا قياس المسافة إلى إحدى المجرات البعيدة، فيمكننا مقارنة لونها ونتوءاتها بصفات المجرات الأقرب لنا، ثم إجراء قياس للمسافة من خلال هذه البيانات. لذا، يمكن لتقلبات السطوع السطحي إعطائنا المسافة إلى مجرة ما كنا لنتمكن من قياسها بطريقة أخرى.

إذن، ما الخطوة التالية؟

نظرًا لأن الأمر يتطلب الكثير من العمل، فإن استخدام تقلبات السطوع السطحي لم يتم إلا على بعض المجرات. سيكون هناك العديد من التليسكوبات الجديدة في المستقبل، تلتقط الكثير من الصور، وبذلك سيكون لدينا صور أكثر مما لدينا الآن. وأنا أعمل على تطوير برامج حاسوبية ستجعل تحليل هذه الصور وإجراء قياسات المسافة من خلالها أسرع بكثير، حتى يتمكن علماء الفلك من قياس المسافات إلى أكبر عدد ممكن من المجرات.

مسرد للمصطلحات

رجل القنطور (Alpha Centauri): أقرب نجم إلى نظامنا الشمسي، ويبعد عن الأرض مسافة تبلغ حوالي 1.37 فرسخ فلكي أو 41.53 تريليون كيلومتر.

مجرة المرأة المسلسلة (Andromeda Galaxy): واحدة من أقرب المجرات إلى مجرتنا، مجرة درب التبانة.

الفرسخ الفلكي (Parsec): طريقة يصف بها علماء الفلك المسافات في الفضاء. يساوي الفرسخ الفلكي الواحد 30.86 تريليون كيلومتر.

تقلبات السطوع السطحي Surface brightness fluctuations (SBF): الطريقة التي يظهر بها الضوء المهتز في صورة مجرة من مكان إلى آخر. وهذا هو ما نقيسه للمساعدة في تحديد مسافة المجرة.

النقطة الضوئية/البكسل (Pixel): ضوء صغير للغاية يمثل جزءًا واحدًا من الشاشة. يتكون التلفاز من العديد من النقاط الضوئية المجمعة معًا.

المجرة (Galaxy): مجموعة من النجوم، وربما تريليونات من النجوم التي تتجمع معًا وتكون في مدار حول بعضها البعض.

طيف القدرة (Power spectrum): يعطينا هذا الطيف معلومات عن أحجام جميع النتوءات التي نراها في صورة إحدى المجرات.

لون المجرة (Galaxy’s color): يُخبرنا لون المجرة درجة حرارة النجوم في تلك المجرة.

حساب التفاضل والتكامل (Calculus): هو فرع مفيد للغاية من فروع علم الرياضة اخترعه إسحاق نيوتن واستخدمه في التعامل مع علم الفلك.

إقرار تضارب المصالح

يعلن المؤلفون أن البحث قد أُجري في غياب أي علاقات تجارية أو مالية يمكن تفسيرها على أنها تضارب محتمل في المصالح.

الحواشي

1 http://www.gemini.edu/” موقع إلكتروني حيث يمكنك معرفة المزيد من المعلومات حول تليسكوب Gemini.

2 حصلت على جميع الأرقام من هذا الموقع الإلكتروني: https://www.wolframalpha.com/ ما عليك سوى كتابة اسم النجمة أو المجرة التي تريد معرفة المزيد من المعلومات عنها.

3 يمكن لهذا الموقع الإلكتروني أن يقدم لك المزيد من المعلومات حول هابل: http://hubblesite.org/

4 https://web.physics.wustl.edu/alford/general/newton.html


المراجع

[1] Adams, D. 1980. The Hitchhiker’s Guide to the Galaxy. 1st Edn. New York, NY: Harmony Books.