Frontiers for Young Minds

Frontiers for Young Minds
القائمة
مفاهيم أساسية نشر بتاريخ: 22 يناير 2021

ماذا يعني أن تختار اختيارًا عقلانيًا؟

ملخص

هل من الممكن تحديد الاختيارات العقلانية وغير العقلانية؟ نتناول في هذا المقال دراسة السمات المميزة التي يجب استيفاؤها في مجموعة من الاختيارات كي تكون عقلانية فضلًا عن تسليط الضوء على بعض الدراسات التي تحدد العمر الذي يبدأ فيه الأطفال في اتخاذ اختيارات عقلانية.

الاختيار والعقلانية

ماذا ستختار إذا طلبت منك الاختيار من بين تفاحة وموزة؟ أو موزة وكرز؟ بدون شك أنت قادر على إخباري بالخيار الذي تفضله، ومن المؤكد أيضًا أن بعض أصدقائك سيتخذون اختيارات مختلفة وذلك متوقع وفقًا للمقولة المتعارف عليها "لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع". فبعض الأطفال يحبون الموز وبعضهم يحب التفاح والبعض يحب سلطة الكيل (الكرنب الأجعد)، ولكن ثمة فرع في الاقتصاد يُسمى نظرية اتخاذ القرارات وهو معني بكيفية تحديد الاختيارات العقلانية وغير العقلانية، وتحتوي المراجع [1, 2] على مقدمات إيضاحية للمسألة التي نتناولها.

ماذا نعني بكلمة "عقلاني"؟ لنعود مرة أخرى إلى مثال الفواكهة. لنفترض أني أعرض عليك أزواجًا من الفاكهة المختلفة وعليك اختيار نوع واحد من الفاكهة في كل مرة، وبدورك اخترت التفاحة بدلًا من الموزة ثم اخترت الموزة بدلًا من الكرز، وإذا اخترت بعد ذلك تفاحة بدلًا من الكرز، فلن تكون هناك مشكلة. ومن تلك الاختيارات، أستنتج أن التفاح هو الفاكهة الأكثر تفضيلًا لديك وأن الكرز هي الفاكهة الأقل تفضيلًا وأنك تحب الموز أكثر من الكرز ولكن ليس أكثر من التفاح، وهنا يمكن القول إن اختياراتك تتسم بالعقلانية. لفهم المثال بشكل أوضح، انظر الشكل 1A.

شكل 1 - A مثال عن مجموعة عقلانية من الاختيارات.
  • شكل 1 - A مثال عن مجموعة عقلانية من الاختيارات.
  • B مثال عن مجموعة غير عقلانية من الاختيارات.

ولكن إذا اخترت الكرز بدلًا من التفاحة (على النحو الموضح من خلال السهم الأحمر في الشكل 1B)، فذلك يشير إلى وجود مشكلة في اختياراتك، فلن نعرف ما هي الفاكهة الأكثر تفضيلًا لديك؟ وما الفاكهة الأقل تفضيلًا لديك؟ وهنا اختياراتك لا تتسم بالعقلانية، فبناءً على الأسئلة التي أطرحها عليك، سأخرج باستنتاجات غير متسقة بشأن الفواكهة الأكثر والأقل تفضيلًا لديك.

ويمكن القول إجمالًا إن الاختيار من بين الفواكه أمر عادي، فهو يتعلق بالأذواق، ولكن بعض مجموعات الاختيارات تكون غير منطقية. سنتناول في الفقرة القادمة أهمية فكرة التعدي في الاختيارات للحصول على مجموعة اختيارات عقلانية.

ما هي الاختيارات المتعدية وما أهمية فكرة التعدي في الاختيار؟

لفهم فكرة التعدي والإلمام بها، سنلقي نظرة على مثال مختلف تمامًا يتمحور حول فكرة التعدي وليس له علاقة بالعقلانية. لنفترض أنني طلبت من صديقيك آدم وبين الوقوف بجانب بعضهما البعض ووجدت أن آدم أطول من بين، ثم طلبت من بين وشارلي الوقوف بجانب بعضهما البعض ووجدت أن بين أطول من شارلي، فهل يمكنك إخباري أي شخص أطول في أصدقائك آدم وبين وتشارلي؟ آدم بالطبع. كيف تمكننا من معرفة هذا الأمر؟ الأمر يتمثل بكل سهولة في فكرة التعدي: فإذا كان آدم أطول من بين وبين أطول من تشارلي، فالنتيجة أن آدم أطول من تشارلي، وذلك يعني أنني يمكنني ترتيب أصدقائك الثلاثة بناءً على أطوالهم: من الأطول (آدم) إلى الأقصر (تشارلي).

الأمر ذاته يسري على الاختيارات، ففكرة الاختيارات المتعدية تساعدنا للغاية، فعندما تتسم اختيارات شخص ما بإنها متعدية، على النحو الموضح في الشكل 1A فذلك يعني إمكانية ترتيب الخيارات. ففي مثال الشكل 1A، تأتي التفاحة بعدها الموزة ثم الكرز، وعلى النقيض، عندما تكون اختيارات الشخص غير متعدية، على النحو الموضح في الشكل 1B لن نتمكن من ترتيب الخيارات. نعتبر القدرة على ترتيب الخيارات أمرًا مهمًا في عملية اتخاذ القرار حيث إنها تتيح للشخص فهم تفضيلات وميول أي شخص آخر من خلال الملاحظة، فضلًا عن الوقوف على اختياراته الأكثر والأقل تفضيلًا، فعند عدم القدرة على ترتيب الخيارات، لن يتمكن الشخص من تحديد هذه التفضيلات. علاوةً على ذلك، إذا كان الشخص الذي يطرح الأسئلة لئيمًا، فيمكنه التلاعب باختيار الفرد وذلك من خلال اختيار ترتيب الأسئلة الموجهة. فعلى سبيل المثال، إذا طلب هذا الشخص من شخص آخر الاختيار من بين نوعين من الفاكهة، ثم أخبره بإمكانية تناول إما نوع الفاكهة المفضلة لديه أو النوع الآخر، ففي حالة الشكل 1A، لن تؤثر كيفية صياغة السؤال: لأن هذا الشخص سيأكل نوع الفاكهة المفضلة لديه وهي التفاح، فاكهته المفضلة، (جرّب أي مجموعة!). ومع ذلك، في حالة الشكل 1B، يمكن للشخص المتلاعب أن يقرر الفاكهة التي يأكلها الفرد بمجرد ترتيب الأسئلة كما يحلو له. وفي نهاية الأمر سيأكل الشخص التفاحة إذا طُلب منه أولًا الاختيار من بين الموزة والكرز ثم بين الموزة والتفاحة، وسيأكل الكرز إذا طُلب منه أولًا الاختيار من بين التفاحة والموزة ثم بين التفاحة والكرز، وسيأكل الموزة إذا طُلب منه أولًا الاختيار من بين التفاحة والكرز ثم بين الكرز والموزة. وهذا أمر غريب للغاية: فكيف يمكن أن يعتمد الخيار المحدد على ترتيب الأسئلة؟ وهنا نقول إن تفضيلات هذا الشخص غامضة مما يعني عدم تمكننا من استخدام هذه الاختيارات للوقوف على العناصر الأكثر والأقل تفضيلًا له. وبشكل عام، إنه لأمر جيد عندما يستطيع الأشخاص ترتيب البدائل وذلك يحدث فقط عندما تكون الاختيارات متعدية، وبذلك نقول إن فكرة التعدي في الاختيارات تعتبر من ضمن المكونات الأساسية للعقلانية في الاختيار، ويمكننا استخدامها باعتبارها اختبارًا للعقلانية.

إن التحقق من عدم وجود حالة التعدي في الاختيارات أمر سهل: فكل ما نحتاجه هو البحث عن حلقات ترابط من نوع "التفاح مفضل على الموز، والموز مفضل على الكرز، والكرز مفضل على التفاح" (في الشكل 1B، يمكنك رؤية الحلقة المكونة من الأسهم الثلاثة). عندما تكون هناك حلقة، لا تكون الاختيارات بين هذه الخيارات الثلاثة متعدية، وعندما تكون الخيارات غير متعدية، لا تكون التفضيلات بين هذه العناصر عقلانية. وعلى العكس من ذلك، عندما لا توجد حلقة بين ثلاثة خيارات، تكون الخيارات متعدية وبالتالي تكون التفضيلات عقلانية.

تمتد هذه المفاهيم لتشمل جميع أنواع الخيارات المختلفة. إذا كانت اختيارات الشخص متعدية، فمن الممكن تحديد ماهية العناصر الأكثر والأقل تفضيلًا لديه مثل لعبة الفيديو والفيلم والفريق الرياضي والنشاط الترفيهي، وما إلى ذلك. كما يعد مفهوم التعدي في الاختيارات مهمًا أيضًا في المشكلات اليومية الأكثر تعقيدًا، مثل الاختيارات التي تنطوي على مخاطر (أي مسار يجب أن اتبع عند المشي لمسافات طويلة أو تسلق الصخور)، أو الاختيارات التي تنطوي على عامل الوقت (كم من مبلغ البدلات يجب أن أدخر وكم يجب أن أنفق)، أو الاختيارات التي تشمل أشخاصًا آخرين (مقدار الجهد الذي يجب أن أبذله لمساعدة أصدقائي). العقلانية هي أساس جميع النماذج الاقتصادية، وتُستخدم هذه النماذج لتحليل والتنبؤ بكيفية ادخار الأفراد من أجل التقاعد، والاستثمار في التغطية الصحية، وشراء التأمين، واستهلاك المنتجات، بل وحتى التصويت في الانتخابات.

هل البشر عقلانيون في الاختيار؟

وهو سؤال بالغ الأهمية، فالواقع أن المفتاح إلى الثقة في حكم الشخص هو ما إذا كانت اختياراته عقلانية أم لا، وكما رأينا في هذا المقال فإن العقلانية تتطلب اختيارات متعدية. ومن حسن الحظ أن الاختيارات المتعدية تُظهر أن البالغين متعقلون إلى حد كبير: ففي أغلب الأحيان تكون اختياراتهم متعدية. وهذا أمر أساسي لأننا عندما ننظر إلى الاختيارات، نفترض أن الشخص الذي يقوم بالاختيارات يكون عقلانيًا. ولن نتمكن من وضع الثقة في هذه الاختيارات إذا لم يكن الشخص عقلانيًا؛ ولكن كيف تتطور العقلانية؟ هل الأطفال عقلانيون في الاختيار؟

في مختبرنا، درسنا تطور الاختيار العقلاني لدى الأطفال الصغار [3] (يمكنك أيضًا الاطلاع على المرجع [4] لرؤية مشروع سابق ذي صلة). أردنا تحديد العمر الذي يبدأ فيه الأطفال في وضع اختيارات عقلانية. للإجابة عن هذا السؤال، أخذنا العديد من الحُلي التي يحبها الفتيان والفتيات، ووضعنا بينها عشوائيًا زوجًا من الحلي، وطلبنا من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 إلى 11 عامًا أن يخبرونا أي حلية من الحليتين يفضلون. لقد قمنا بهذا الإجراء مع جميع أزواج الحُلي ودرسنا عدد حلقات الترابط (من النوع الموضح في الشكل 1B))، لأن الحلقة، كما ناقشنا أعلاه، تعني خيارًا غير عقلاني.

لقد وجدنا أن العديد من الأطفال في سن الخامسة لم يكونوا عقلانيين. كان هناك العديد من الحلقات، خاصة عندما لم تكن الحُلي هي الأكثر أو الأقل تفضيلًا لدى الأطفال. ومع ذلك، كانت الحلقات في كثير من الأحيان أقل بكثير عندما كانت اختيارات الاطفال تشمل الحُلي الأكثر أو الأقل تفضيلًا لديهم. وهذا يعني أن الأطفال الصغار كانوا يعرفون تمام المعرفة ما يحبونه أكثر من أي شيء آخر، ولكنهم كانوا يعانون من مشكلات في ترتيب الحُلي الموجودة "في الوسط". وجدنا أيضًا أن عدد الاختيارات غير العقلانية انخفض مع تقدم العمر، ففي الأطفال الذين يبلغون من العمر 11 عامًا، كانت الاختيارات عقلانية مثل اختيارات البالغين، بدون أي حلقات تقريبًا.

خلاصة القول هي أنه إذا كنت مراهقًا، فبوسعك أن تخبر والديك بأن اختياراتك عقلانية، والأدلة العلمية تدعمك في ذلك. ولكن تذكر أن الأشخاص العقلانيين، باختلافاتهم، يمكنهم اتخاذ اختيارات مختلفة، وسيفعلون ذلك بالتأكيد. لذلك، مثلما قد يحب أصدقاؤك فاكهة مختلفة عنك، قد يوافق أبواك على أن إعطاء الأولوية لألعاب الفيديو على تناول العشاء مع الأسرة، أو تفضيل تناول العشاء مع الأسرة على أداء الواجبات الدراسية وتفضيل ألعاب الفيديو على أداء الواجبات الدراسية أمر عقلاني؛ لكن تخميني هو أنهم لن يكونوا سعداء بهذا الترتيب!

مسرد للمصطلحات

العقلانية (Rationality): تتسم مجموعة الاختيارات بالعقلانية عندما يستنتج الشخص تفضيلات وميول أي شخص آخر (أي العناصر الأكثر والأقل تفضيلًا لديه وما هو مقبول بالنسبة له) من خلال ملاحظة اختياراته.

النموذج الاقتصادي (Economic model): هو نسخة مصغرة من الواقع يستخدمه الباحثون لدراسة كيفية اتخاذ الاختيارات.

إقرار تضارب المصالح

يعلن المؤلفون أن البحث قد أُجري في غياب أي علاقات تجارية أو مالية يمكن تفسيرها على أنها تضارب محتمل في المصالح.

شكر وتقدير

ننتهز الفرصة لنعرب عن عميق امتنانا لأعضاء Los Angeles Behavioral Economics Laboratory (LABEL) لما قدموه من رؤى عبر مختلف مراحل المشروع. نشكر Sobhana Atluri وJean Guo وطلاب المدارس الثانوية Arthur Acker وRhea Baba وDavid Carrillo وStephanie Cook وKirill Lanski وEena Ohannessian وMihir Parekh على تعليقاتهم. كما نُقدر الدعم المالي الممنوح من National Science Foundation إلى SES-1851915. أجريت الدراسة المذكورة في المرجع بموافقة لجنة المراجعة المؤسسية التابعة لجامعة Southern California تحت رقم UP-12-00528.


المراجع

[1] Kreps, D. M. 1988. Notes on the Theory of Choice (Underground Classics in Economics). Boulder, CO; London: Westview Press.

[2] Mas-Colell, A., Whinston, M. D., and Green, J. R. 1995. Microeconomic Theory. Vol. 1. New York, NY: Oxford University Press.

[3] Brocas, I., Carrillo, J. D., Combs, D. T., and Kodaverdian, N. 2019. The development of consistent decision-making across economic domains. Games Econ. Behav. 116:217–40. doi: 10.1016/j.geb.2019.05.003

[4] Harbaugh, W. T., Krause, K., and Berry, T. R. 2001. GARP for kids: on the development of rational choice behavior. Am. Econ. Rev. 91:1539–45. doi: 10.1257/aer.91.5.1539