اكتشافات جديدة الهندسة والتكنولوجيا نشر بتاريخ: 31 يوليو 2026

الكنوز الخفية لما نُصرِّفه في المرحاض

ملخص

كلَّ يومٍ، يُصرِّف الناس حول العالم مليارات اللترات من مياه الصرف الصحي عبر المصارف. ويجب تنظيف معظم هذه المياه قبل أن تعود بأمانٍ إلى البيئة، لكنَّ معالجة مياه الصرف تستهلك كمياتٍ هائلةً من الطاقة، ولا تزال أماكن كثيرة تفتقر إلى خدمات الصرف الصحي المناسبة. بيد أن مياه الصرف ليست مجرَّد نفاياتٍ بلا قيمة؛ فهي تحتوي أيضًا على طاقة ومغذيات ومياه نظيفة يحاول العلماء استعادتها باستخدام تقنيات كهروكيميائية ميكروبية، وهي أنظمة تحتوي على بكتيريا يمكنها توليد الكهرباء أثناء تفكيكها للفضلات. ويمكن لـمحطات الطاقة الميكروبية هذه أن تساعد أيضًا في تنظيف المياه واستخلاص المغذيات لإعادة استخدامها كأسمدة زراعية مفيدة. ويختبر الباحثون هذه الأنظمة بالفعل في المراحيض العامة والمزارع ومحطات المعالجة، ليبرهنوا على قدرة الكائنات الدقيقة على تحويل مياه الصرف إلى موردٍ ثمين. وقد تغدو هذه التقنيات في النهاية جزءًا من الاقتصاد الدائري، حيث تساعد الفضلات التي نتخلص منها في المرحاض على تزويد المنازل بالطاقة، وزراعة الغذاء، وتوفير مياه نظيفة في الأماكن الأكثر احتياجًا إليها.

ماذا يحدث بعد أن نضغط زر المرحاض؟

كم مرةً استخدمت المرحاض وضغطت زرَّ السحب اليوم؟ مرةً واحدةً؟ مرتين؟ أم أكثر؟ والآن فكِّر في عدد المرات التي يستخدم فيها جميع أفراد أسرتك المرحاض كلَّ يوم. ثم اضرب هذا العدد في عدد الأشخاص في حيِّك، ثم في مدينتك، ثم في بلدك، وأخيرًا في عدد سكان العالم بأسره. إنها كمية هائلة حقًا من الفضلات التي تذهب في المصارف!

عندما تضغط زرَّ السحب، قد يخيّل لك أن الفضلات اختفت ببساطة. لكنها في الحقيقة لا تختفي؛ فكلُّ عملية سحب تضيف قطرات جديدة إلى نهرٍ ضخمٍ من المياه المستعملة القادمة من المراحيض والأحواض وأماكن الاستحمام، ويُطلق عليها اسم مياه الصرف الصحي. وتتدفق مياه الصرف عبر شبكةٍ من الأنابيب الموجودة تحت الأرض لتنقل كلَّ ما نُرسله إلى المصارف. وينتج العالم أكثر من 350 مليار مترٍ مكعبٍ من مياه الصرف كلَّ عام من المنازل والمدارس والمصانع والمزارع، وهي كمية تكفي لملء نحو 140 مليون مسبحٍ أولمبيٍّ [1]!

وتنتقل معظم مياه الصرف إلى محطات المعالجة، حيث تتعاون الآلات والكائنات الدقيقة لتنظيفها. وتُزيل عملية المعالجة الفضلات الصلبة والجراثيم الضارة والمغذيات الزائدة، مما يجعل المياه آمنةً بما يكفي لإعادتها إلى البيئة. لكن ليست كلُّ المناطق تمتلك عددًا كافيًا من محطات معالجة مياه الصرف، بل إن بعض الأماكن لا تحتوي على أيِّ محطةٍ على الإطلاق. وعلى مستوى العالم، لا تُعالَج سوى نحو نصف مياه الصرف الصحي، ولا يزال نحو 3.5 مليار شخص يعيشون دون صرف صحي آمن، أي دون أنظمة تجمع الفضلات البشرية وتعالجها بأمان. ولا يزال نحو %8 من سكان العالم لا يملكون مراحيض على الإطلاق، ويضطرون إلى قضاء حاجتهم في العراء. وفي مناطق كثيرة من جنوب الكرة الأرضية، وخاصةً في المناطق الريفية، تتدفق مياه الصرف مباشرةً إلى الأنهار أو المحيطات دون تنظيفها، مما يؤدي إلى انتشار التلوث والأمراض.

وحتى في الأماكن التي توجد فيها محطات معالجة، فإن تنظيف مياه الصرف عمليةٌ مكلفةٌ وتستهلك كمياتٍ هائلةً من الطاقة، تعادل تقريبًا ما تستهلكه جميع الطائرات في العالم [2]! لذلك، لا تُشكِّل مياه الصرف تحديًا يتعلق بالصرف الصحي فحسب، بل تُمثِّل أيضًا مشكلةً مرتبطةً بالطاقة؛ فمعالجة المياه تحافظ على صحة الناس، لكنها تعتمد على الكهرباء التي يُنتَج جزء كبير منها باستخدام الوقود الأحفوري، مما يساهم في زيادة انبعاثات غازات الدفيئة. ولهذا بدأ العلماء يتساءلون: هل يمكن أن تساعد مياه الصرف نفسها في حلِّ هذه المشكلة؟

هل توجد عناصر مفيدة في مياه الصرف؟!

قد يبدو الأمر غريبًا للوهلة الأولى، لكن ما نُصرِّفه يوميًّا في المرحاض قد يكون مفيدًا بالفعل! فقد بدأ العلماء ينظرون إلى مياه الصرف على أنها مزيجٌ من الطاقة والمغذيات والمياه النظيفة، وهي ثلاثة أشياء نحتاج إليها باستمرار، وكلها تنتظر منا فقط أن نستعيدها (الشكل 1). فبدلًا من إنفاق المال والطاقة للتخلص من الفضلات، ربما نستطيع استعادة الطاقة والمواد المفيدة منها، لنحوِّل بذلك واحدة من أكبر مشكلات البشرية إلى مورد ثَمين يساعد في حماية كوكبنا.

رسم توضيحي لنظام إدارة مياه الصرف الصحي يوضح أنابيب تنقل مياه الصرف الصحي من المنازل إلى منشأة معالجة، تقوم بمعالجتها إلى ثلاثة مخرجات: طاقة، ومغذيات أو أسمدة، ومياه نظيفة.
  • شكل 1 - تتدفق مياه الصرف عبر شبكةٍ من الأنابيب الموجودة تحت الأرض لتنقل كلَّ ما نُصرِّفه في المرحاض أو نغسله في المصارف.
  • وتنقل هذه الأنابيب المياه إلى محطات معالجة مياه الصرف، حيث تُنظَّف المياه قبل إعادتها بأمانٍ إلى البيئة. وتُعد هذه العملية مكلفةً وتستهلك كمياتٍ كبيرةً جدًّا من الطاقة، التي يُنتَج جزءٌ كبيرٌ منها عن طريق حرق الوقود الأحفوري المُضر بالمناخ. بيد أن مياه الصرف ليست مجرد نفاياتٍ، بل تحتوي في الواقع على موارد قيِّمة مثل الطاقة والمغذيات والمياه النظيفة، وكلها تنتظر منا فقط أن نستعيدها.

ولكن، كيف يمكن أن يخرج أي شيء مفيد من الفضلات؟!

حين تتحوَّل فضلاتُ البكتيريا إلى وقود لمحطات توليد الطاقة

تتكوَّن مياه الصرف من خليطٍ من الفضلات الصلبة والسائلة: مثل البراز والبول وبقايا الطعام ومواد أخرى تُغسل وتذهب إلى المصارف. وتحتوي هذه المواد على مادةٍ عضويةٍ، وهي مواد كربونية تخزن طاقة كيميائية يمكن أن تستخدمها البكتيريا والكائنات الدقيقة وقودًا لها. وتستخدم معظم البكتيريا هذه الطاقة في النموِّ فحسب، غير أن العلماء اكتشفوا أن أنواعًا معينة من الميكروبات -تُسمى البكتيريا المُوَلِّدَة للكهرباء- يمكنها توليد تيار كهربائي عندما تهضم هذه المواد الغنية بالطاقة والموجودة في مياه الصرف (الشكل 2A). وأثناء قيامها بذلك، تُطلق هذه البكتيريا جسيماتٍ دقيقةً مشحونة تُسمَّى الإلكترونات، عندما تتحرك عبر سلكٍ أو دائرةٍ كهربائية، فإنها تُنتج تدفقًا من الكهرباء.

رسم توضيحي كرتوني بثلاث لوحات مرقمة أ، ب، ج. اللوحة أ تُظهر ثلاث بكتيريا بنفسجية مبتسمة محاطة بجزيئات عضوية، تنقل الإلكترونات عبر سلك إلى مقبس حائطي. الرسم البياني للوحة ب يُظهر بكتيريا في مياه الصرف الصحي تطلق إلكترونات إلى أقطاب كهربائية، مولدةً كهرباء؛ تخرج مياه الصرف الصحي المعالجة، وتحدث تفاعلات أكسجين عند القطب الثاني. الرسم البياني للوحة ج يُظهر بكتيريا تطلق إلكترونات في مياه الصرف الصحي، مع منتجات تشمل الهيدروجين والميثان؛ تخرج مياه الصرف الصحي المعالجة، ولا يوجد أكسجين عند الأقطاب الكهربائية.
  • شكل 2 - (A) يمكن لبعض الكائنات الدقيقة، التي تُسمّى البكتيريا المُوَلِّدَة للكهرباء، أن تُنتِج تيارًا كهربائيًّا (إلكترونات، دوائر خضراء) عندما تتغذّى على المواد الغنية بالطاقة الموجودة في مياه الصرف.
  • ويمكن لهذه البكتيريا أن تكون جزءًا من نوعين رئيسين من التقنيات الكهروكيميائية الميكروبية. (B) تصنع خلايا الوقود الميكروبية الكهرباء مباشرةً من مياه الصرف، حيث تنمو البكتيريا على لوحة معدنية تُسمّى القطب الكهربائي، وتُنتِج الإلكترونات التي تُطلِق تيارًا كهربائيًّا يمكنه تشغيل أجهزة صغيرة. (C) في خلايا التحليل الكهربائي الميكروبية، يؤدي تدفّق الإلكترونات إلى إنتاج غازاتٍ غنيةٍ بالطاقة مثل الهيدروجين (H2) أو الميثان (CH4)، ويمكن التقاط هذه الغازات وتخزينها ثم استخدامها لاحقًا كوقودٍ عند حرقها.

ويمكن للعلماء التقاط هذه الطاقة باستخدام أنظمة تُسمّى التقنيات الكهروكيميائيةالميكروبية ، وهي أنظمة تجمع الإلكترونات التي تُنتجها البكتيريا. وتنمو البكتيريا المُوَلِّدَة للكهرباء داخل هذه الأنظمة على لوحة معدنية تُسمى القطب الكهربائي تسمح للكهرباء بالتدفق من خلالها. وعندما تمر مياه الصرف داخل النظام، تتغذّى البكتيريا على الفضلات وتُرسل الإلكترونات عبر القطب الكهربائي، مُولِّدةً تيارًا كهربائيًّا، وكأنها بطارية طبيعية تعمل بالفضلات.

وثمة نوعان رئيسيان من هذه الأنظمة. الأول هو خلايا الوقود الميكروبية، وهي أنظمة تنتج الكهرباء مباشرةً من مياه الصرف (الشكلان 3A ,2B)، ما يعني أنها تستطيع تشغيل أجهزة صغيرة أو إضاءة مصابيح بينما تقوم البكتيريا بتفكيك الفضلات عبر تفاعلاتٍ كيميائيةٍ تُطلق الإلكترونات [3]. وفي المقابل، تُعد خلايا التحليل الكهربائي الميكروبية نوعًا آخر من هذه التقنيات الكهروكيميائية الميكروبية.

يعرض الشكل أ لقطة مقربة لخلايا طاقة متعددة مترابطة مع العديد من الأسلاك والموصلات. يعرض الشكل ب منظرًا جويًا لمنشأة تضم عدة مبانٍ ومركبات متوقفة ومساحات خضراء محيطة. يصور الشكل ج مجموعة من وحدات البطاريات الكبيرة مرتبة في صفوف، ومتصلة بأسلاك حمراء وزرقاء. يتميز الشكل د بمنظورين لمرحاض معدني صغير، مع مبولة على اليسار ومرحاض على اليمين، مضاءة بمصابيح السقف.
  • شكل 3 - (A, C) أمثلةٌ على خلايا الوقود الميكروبية المُستخدمة في معالجة مياه الصرف.
  • (B) صورة جوية لموقع ريفي تحتوي فيه دورات المياه على نظام متصل بخلايا الوقود الميكروبية. (D) مبولة (إلى اليسار) ومرحاض (إلى اليمين) يعملان بالكهرباء الناجمة عن خلايا الوقود الميكروبية.

تحتاج هذه الأنظمة إلى دفعةٍ صغيرةٍ إضافيةٍ من الطاقة، لكنها في المقابل تُجري تفاعلاتٍ كيميائيةً تُنتِج غازاتٍ غنيةً بالطاقة مثل الهيدروجين أو الميثان، ويمكن تخزين هذه الغازات واستخدامها لاحقًا كوقودٍ (الشكل 2C). وفي كلتا الحالتين، عندما تتغذى البكتيريا على الفضلات، فإنها تساعد في تنقية المياه في الوقت نفسه.

وعلى مستوى العالم، تُقدَّر الطاقة الخفية في مياه الصرف بما يقارب خُمس إجمالي الكهرباء المُنتَجة في الولايات المتحدة. وإذا تمكنا من استعادة ولو جزء بسيط من هذه الطاقة، فإن مياه الصرف يمكن أن تتحول من عبء عالمي إلى مورد ثَمين للعالم أجمع.

سماد من مياه المرحاض

تحتوي مياه الصرف أيضًا على مغذّياتٍ قيِّمةٍ مثل النيتروجين والفوسفور، وهي عناصر تحتاجها النباتات لتنمو. وعادةً ما تُصنَّع أسمدة النيتروجين التي يستخدمها المزارعون في محاصيلهم باستخدام الوقود الأحفوري، أما الفوسفور فيُستخرَج من الصخور العميقة تحت الأرض. ويستهلك تصنيع هذه الأسمدة ونقلها كمياتٍ كبيرةً من الطاقة، كما يمكن أن يُطلِق غازاتٍ دفيئةً تُسهم في ارتفاع حرارة الكوكب. كما أن تعدين الفوسفور يسبّب ضررًا للأراضي ويترك خلفه نفاياتٍ قد تضرُّ بالنظم البيئية.

وإذا استطعنا استعادة النيتروجين والفوسفور من مياه الصرف، يمكن للمزارعين استخدام هذه المغذّيات المُعاد تدويرها لزراعة المحاصيل. ويمكن لهذا الأمر أن يجعل الزراعة أكثر استدامةً بطريقتين: فهو يقلّل الحاجة إلى إنتاج أسمدة جديدة من الوقود الأحفوري والتعدين، كما أنه -في الأماكن التي لا تمتلك معالجة كافية لمياه الصرف- قد يساعد على منع تسرب المغذّيات من المياه غير المُعالجة إلى الأنهار والبحيرات. فزيادة المغذّيات في المياه يمكن أن تؤدي إلى نموٍّ مفرطٍ للطحالب، مما يستهلك الأكسجين ويؤدي إلى موت الأسماك.

ويمكن للتقنيات الكهروكيميائية الميكروبية أن تساعد في استعادة هذه المغذيات؛ فعندما تُحلّل البكتيريا داخل النظام الفضلات وتُطلق الكهرباء، فإنها تُغيِّر أيضًا التوازن الكيميائي للمياه. وتُيسِّر هذه التغيّرات استخلاص المغذيات القيِّمة. حيث يمكن للأمونيا (وهي شكل من أشكال النيتروجين) أن تعبر عبر حاجز رقيق يُسمى الغشاء، وتتجمع على شكل سماد سائل. أما الفوسفات (وهو شكل من أشكال الفوسفور) فيمكن أن يلتصق بالقطب الكهربائي المعدني، ويتراكم على شكل بلورات صغيرة يمكن إزالتها لاحقًا وإعادة استخدامها في المزارع.

مياهٌ نقية في أماكن شحيحة المطر

الجزء الثالث القيّم في مياه الصرف هو الماء نفسه؛ فالمياه العذبة موردٌ محدودٌ، إذ إن أقل من %1 من المياه على كوكب الأرض متاحة للشرب، أو ري المحاصيل، أو الاستخدام في المنازل والصناعات. ومع نمو سكان الأرض وزيادة معدلات الجفاف، بات إيجاد طرق لإعادة استخدام المياه بأمان أمرًا أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ويمكن للتقنيات الكهروكيميائية الميكروبية أن تساعد في تنظيف المياه أثناء تفكيك البكتيريا للفضلات التي تجعلها ملوّثة. ورغم أن هذه التقنيات لا تستطيع إزالة جميع الملوِّثات بمفردها، فإنها تُقلِّل بدرجة كبيرة من كمية النفايات الصلبة والمواد الضارة، فتغدو معالجة المياه المتبقية أسهل وأقل تكلفةً. ويمكن إعادة استخدام مياه الصرف المُعالجة بأساليب شتى: لريّ المحاصيل، أو استخدام المرحاض، أو تبريد محطات الطاقة. وبعد معالجةٍ دقيقةٍ، يمكن حتى تحويلها إلى مياه شربٍ من جديد.

وفي الأماكن التي يقل فيها هطول الأمطار أو التي تجف فيها الأنهار، يساعد إعادة استخدام المياه المجتمعات على توفير المياه العذبة الثمينة والاستعداد بشكلٍ أفضل لمواسم الجفاف. وقد يسهم استخدام التقنيات الكهروكيميائية الميكروبية لتنظيف المياه في تقليل تكلفة إعادة الاستخدام الآمن للمياه، لا سيما في المناطق التي تفتقر إلى محطات معالجة ضخمة.

من المراحيض إلى التكنولوجيا: فضلات في خدمة البشرية

بينما لا تزال العديد من التقنيات الكهروكيميائية الميكروبية قيد التطوير في المختبرات، فإن العديد منها يُجرَّب بالفعل في الحياة الواقعية. ومن أشهر الأمثلة على ذلك مشروع Pee Power®، وهو مشروع يستخدم خلايا الوقود الميكروبية لتحويل البول إلى كهرباء. وفي مهرجان غلاستونبري بالمملكة المتحدة، سمحت مبولة ضخمة تابعة لمشروع Pee Power® لآلاف الأشخاص بالمساعدة في توليد الطاقة يوميًا؛ بمجرد تفريغ مثاناتهم! وقد استُخدمت هذه الكهرباء لإضاءة المراحيض ليلًا، وشحن الهواتف المحمولة، بل وتشغيل محطة Pee to Play حيث استطاع الزوّار تشغيل ألعاب الفيديو الكلاسيكية باستخدام بولهم! وبالتوازي مع ذلك، يعمل هذا النظام على تنظيف البول وإنتاج السماد كمنتج ثانوي. كذلك طُبِّقت هذه التقنيةُ في مدارس ودورات مياه مجتمعية في أوغندا وكينيا وجنوب أفريقيا، لتجعل خدمات الصرف الصحي أكثر أمانًا وإضاءةً في الأماكن التي تعاني من انقطاع التيار الكهربائي (الشكل 3).

وتدمج بعض المشاريع بين التقنيات الكهروكيميائية الميكروبية والزراعة المائية، وهي طريقة لزراعة النباتات دون تربة [4]. وفي هذه الأنظمة، تعمل البكتيريا الموجودة في خلايا التقنية على تفكيك الفضلات في الماء وتحويلها إلى مغذّيات أبسط يمكن للنباتات استخدامها. ثم تتدفق المياه إلى النباتات، حيث تمتصّ المغذّيات وتساعد في إزالة أي شوائب متبقية. كما تطلق النباتات الأكسجين عبر جذورها، مما يدعم البكتيريا التي تواصل تنظيف المياه. ويمكن حتى استخدام الكهرباء المُنتَجة بواسطة هذه التقنيات لتشغيل مصابيح صغيرة تساعد النباتات على النمو. وهذا التعاون بين الكائنات الدقيقة والنباتات يمكن أن ينتج ماءً نظيفًا وطعامًا طازجًا في آنٍ واحد.

وثمة فكرة مشابهة تُطبَّق في أحواض اصطناعية ضحلة تُعرف بالأراضي الرطبة المشيَّدة، حيث تتعاون النباتاتُ والكائنات الدقيقة معًا لتنقية مياه الصرف بأسلوبٍ مماثل.

وفي البلدان التي تمتلك بالفعل محطات لمعالجة مياه الصرف، قد يكون للتقنيات الكهروكيميائية الميكروبية أكبر فائدةٍ عندما تُدمَج داخل هذه الأنظمة القائمة. فمن خلال إضافة هذه التقنيات في المراحل المبكرة من عملية المعالجة، يمكن للمهندسين استعادة جزءٍ من الطاقة المخزَّنة في مياه الصرف قبل أن تمرَّ بمراحل التنقية اللاحقة. كما يمكن للطاقة التي تُنتِجها هذه التقنيات أن تُعوِّض جزءًا من الكهرباء التي تستهلكها هذه المحطات عادةً، مما يساعدها على خفض التكاليف وحماية البيئة.

ما هو المستقبل الذي ينتظر مياه الصرف؟

توضح هذه الأمثلة مُجتمعة كيف يمكن النظر إلى مياه الصرف لا باعتبارها مشكلةً ينبغي التعامل معها فحسب، بل بوصفها موردًا حقيقيًا قادرًا على توفير الطاقة والمغذيات والمياه النقية، وذلك بفضل عمل الكائنات الدقيقة. وقد يبدو تحويل الفضلات إلى طاقة أمرًا مذهلًا؛ وهو كذلك بالفعل، ولكن هذه التقنيات لا يزال أمامها شوط طويل قبل أن تصبح قابلة للاستخدام في كل مكان. ففي الوقت الحالي، تُعد تكلفة بناء التقنيات الكهروكيميائية الميكروبية مرتفعة، كما يجب أن تكون الأقطاب الكهربائية أكثر متانة لتتمكن من الصمود لسنوات في البيئة القاسية المليئة بالفضلات. ويعكف العلماء حول العالم حاليًا على تحسين التصاميم، واختبار مواد جديدة، وإيجاد طرق لخفض التكاليف.

وما زالت كمية الكهرباء التي تنتجها التقنيات الكهروكيميائية الميكروبية صغيرة مقارنةً بكميات الطاقة الهائلة المطلوبة لتشغيل محطات المعالجة الضخمة. وفي الوقت الحالي، تعمل هذه التقنيات بشكل أفضل في البيئات الصغيرة أو الخاصة؛ كالأماكن التي تفتقر إلى الكهرباء وتحتاج إلى خدمات صرف صحي أو إضاءة منخفضة التكلفة. وقد تكون هذه التقنيات مفيدةً تحديدًا في العديد من مناطق جنوب الكرة الأرضية، حيث تكون الطاقة الموثوقة وخدمات الصرف الصحي محدودةً في كثيرٍ من الأحيان. فهناك، يمكن لهذه التقنيات توفير مراحيض نظيفة وجيدة الإضاءة، مما يجعل استخدام هذه المرافق أكثر أمانًا في الليل، لا سيما للنساء والأطفال.

وتُعد فكرة استعادة الطاقة والمغذّيات والمياه النظيفة من مياه الصرف جزءًا من رؤيةٍ أشمل تُسمّى الاقتصاد الدائري، وهو نظام لا يُهدر فيه أيّ شيء، بل يمكن إعادة استخدام كل شيء أو إعادته إلى الطبيعة بأمانٍ. وسيحتاج تحقيق هذا المستقبل إلى وقت وجهد مشترك بين المهندسين وعلماء الأحياء والمجتمعات المحلية، لكن كلَّ تجربة جديدة تُقرّبنا خطوةً من هذا الهدف. وفي يومٍ ما، قد تصبح المياه التي نُصرِّفها مصدرًا لتشغيل المنازل، وشحن الأجهزة، وزراعة الغذاء، وكلُّ ذلك بفضل الكائنات الدقيقة الصغيرة التي تُنظّف فضلاتنا.

مسرد للمصطلحات

مياه الصرف الصحي (Wastewater): هي المياه المستعملة التي تأتي من المراحيض والأحواض وأماكن الاستحمام والمصانع والمزارع، وتحتوي على فضلات وجراثيم ومغذيات يجب إزالتها قبل أن يصبح من الممكن إعادة استخدام المياه بأمانٍ.

الصرف الصحي (Sanitation): هو الأنظمة والخدمات التي تحافظ على نظافة المياه والبيئة من خلال جمع الفضلات البشرية ومعالجتها بطريقةٍ آمنةٍ، بما يساعد على الوقاية من الأمراض وحماية صحة الناس.

البكتيريا المُوَلِّدَة للكهرباء (Electrogenic Bacteria): هي بكتيريا قادرةٌ على إطلاق جسيماتٍ دقيقةٍ مشحونة تُسمَّى الإلكترونات أثناء تغذيها على الفضلات، ويمكن التقاط هذه الجسيمات لتوليد تيار كهربائي.

التقنيات الكهروكيميائية الميكروبية (Microbial Electrochemical Technologies (METs)): هي أنظمة تستخدم البكتيريا المُوَلِّدَة للكهرباء لتفكيك الفضلات وإطلاق الكهرباء، مما يسهم في استعادة الطاقة والمغذيات والمياه النظيفة من مياه الصرف.

خلايا الوقود الميكروبية (Microbial Fuel Cells (MFCs)): هي نوعٌ من أنظمة التقنيات الكهروكيميائية الميكروبية يُنتِج الكهرباء مباشرةً من مياه الصرف عندما تتغذّى البكتيريا على المادة العضوية.

خلايا التحليل الكهربائي الميكروبية (Microbial Electrolysis Cells (MECs)): هي نوع من أنظمة التقنيات الكهروكيميائية الميكروبية يحتاج إلى دفعةٍ صغيرةٍ من الكهرباء لتحويل مياه الصرف إلى غازاتٍ غنيةٍ بالطاقة مثل الهيدروجين أو الميثان. ويمكن حرق هذه الغازات لاحقًا كوقودٍ لإنتاج الكهرباء.

الزراعة المائية (Hydroponics): هي طريقةٌ لزراعة النباتات من دون تربةٍ، حيث تُغذَّى الجذور مباشرةً بمياه غنية بالمغذّيات.

الاقتصاد الدائري (Circular Economy): هو طريقة لصنع المنتجات واستخدامها تحافظ على بقاء المواد قيد الاستخدام لأطول فترة ممكنة. فهو يتبني فكرة إعادة استخدام الأشياء، أو تدويرها، أو إعادتها بأمان إلى الطبيعة.

إقرار تضارب المصالح

يعلن المؤلفون أن البحث قد أُجري في غياب أي علاقات تجارية أو مالية يمكن تفسيرها على أنها تضارب محتمل في المصالح.

شكر وتقدير

أود أن أشكر الدكتورة سوزان ديباد على تزويدي بالمسودة الأولى ومشاركتها المستمرة والمثمرة في تأليف هذا المقال. كما أتوجه بالشكر إلى كل من شارك في تأليف المقال الأصلي: Falk Harnisch, Elizabeth Heidrich, Ioannis A. Ieropoulos, Bruce E. Logan, Dibyojyoty Nath, Deepak Pant, Sunil A. Patil, Sebastia Puig, Jason Ren, Ruggero Rossi, Amelia-Elena Rotaru, and Annemiek ter Heijne.

إفصاح أدوات الذكاء الاصطناعي

يُعلِن المؤلفون أنه لم يتم استخدام أي ذكاء اصطناعي توليدي في إعداد هذا البحث.

تم إنشاء النص البديل (alt text) المرفق بالأشكال في هذه المقالة بواسطة ”فرونتيرز” (Frontiers) وبدعم من الذكاء الاصطناعي، مع بذل جهود معقولة لضمان دقته، بما يشمل مراجعته من قبل المؤلفين حيثما كان ذلك ممكناً. في حال تحديدكم لأي خطأ، نرجو منكم التواصل معنا.


مقال المصدر الأصلي

Schröder, U., Harnisch, F., Heidrich, E., Ieropoulos, I. A., Logan, B. E., Nath. D., et al. 2026. Waste to value: microbial electrochemical technologies for sustainable water, material and energy cycles. Front. Sci. 4:1688727. doi: 10.3389/fsci.2026.1688727


المراجع

[1] Jones, E. R., van Vliet, M. T. H., Qadir, M., and Bierkens, M. F. P. 2021. Country-level and gridded estimates of wastewater production, collection, treatment and reuse. Earth Syst. Sci. Data 13:237–54. doi: 10.5194/essd-13-237-2021

[2] Dunn, J. B., Greene, K., Vasquez-Arroyo, E., Awais, M., Gomez-Sanabria, A., Kyle, P., et al. 2024. Toward enhancing wastewater treatment with resource recovery in integrated assessment and computable general equilibrium models. Environ. Sci. Technol. Lett. 11:654–63. doi: 10.1021/acs.estlett.4c00280

[3] Logan, B. E., Hamelers, B., Rozendal, R., Schröder, U., Keller, J., Freguia, S., et al. 2006. Microbial fuel cells: methodology and technology. Environ. Sci. Technol. 40:5181–91. doi: 10.1021/es0605016

[4] Yadav, R. K., Siddharth, and Patil, S. A. 2023. Integrated Hydroponics-Microbial Electrochemical Technology (iHydroMET) is promising for Olericulture along with domestic wastewater management. Bioresour. Technol. Rep. 22:101428. doi: 10.1016/j.biteb.2023.101428