مفاهيم أساسية صحة الإنسان نشر بتاريخ: 31 مارس 2026

عبوة زاخرة بالأمل: تُعيد رسم مستقبل علاج سوء التغذية في مرحلة الطفولة

ملخص

يعدُّ سوء التغذية الحاد والشديد حالة تهدد حياة الملايين من الأطفال حول العالم. ولسنواتٍ طويلةٍ، كان العلاج متاحًا فقط داخل المستشفيات، ويتطلب روتينًا غذائيًّا خاصًّا، ومياهًا نظيفةً، وأجهزة تبريد، وطواقم طبية مدرَّبة. وقد ساهم الدكتور André Briend في تغيير هذا الواقع عبر تطوير نوع جديد من العلاج يُعرف بالغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام، وهو عبارة عن معجون مغذٍّ وآمنٍ، يمكن للأطفال تناوله في المنزل دون الحاجة لتحضيراتٍ خاصةٍ. كما ساعدَ في الترويج لأداة قياس بسيطة تُسمَّى محيط منتصف الذراع العلوي، تسمح بتحديد الأطفال الأكثر عرضةً لخطر الوفاة بسبب سوء التغذية. وقد أتاح هذان الابتكاران البسيطان للأسر الحصول على رعايةٍ منقذةٍ للحياة في المنزل، دون الحاجة للإقامة في المستشفى لفتراتٍ طويلةٍ، حتى في المناطق النائية. وبفضلِ أبحاث الدكتورِ Briend، تلقَّى ملايين الأطفال علاجًا أسرع، وتغذية أفضل، وفرصة أكبر للنجاة والتعافي والنموّ بصحةٍ جيدةٍ.

وقد نال الدكتور André Briend جائزة جون ديركس كندا غيردنر للصحة العالمية لعام 2025. وقد مُنحت له هذه الجائزة تقديرًا ≪لابتكاره الغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام≫،الذي أحدث ثورة حقيقية في التعامل مع حالات سوء التغذية الحاد والشديد لدى الأطفال؛ فبفضل هذا الابتكار، تحول مسار العلاج من الرعاية داخل المستشفيات إلى العلاج المجتمعي، مما ساهم في إنقاذ أرواح لا حصر لها≫.

نوعٌ مختلفٌ من الجوع

مرَّ معظم الناس بتجربة الجوع في وقتٍ ما من حياتهم؛ فربما فاتك الإفطار لأنك تأخّرت عن المدرسة، أو اضطررت إلى تفويت وجبة الغداء لتعويض واجب لم تُنجزه. ربما شعرت حينها بقرقرة في معدتك، أو بصعوبة في التركيز داخل الصف. هذا النوع من الجوع مزعج، لكنه غالبًا ما يزول فور تناول الطعام.

وفي بعض الحالات، يتحول الجوع إلى خطرٍ داهمٍ لا يزول بمجرد تناول وجبة واحدة. يُعدّ سوء التغذية الحادّ والشديد حالةً طبية طارئة تحدث عندما لا يحصل جسم الطفل على ما يكفيه من الطاقة والعناصر الغذائية التي يحتاجها، ليس لأيامٍ فقط، بل لأسابيع أو حتى لأشهر. وعندئذٍ يبدأ الجسم في التدهور؛ فتنكمش العضلات، وتختفي الطاقة، ويضعف الجهاز المناعي إلى حدٍّ يعجز معه عن مقاومة العدوى. ويصيب سوء التغذية الحادّ والشديد نحو 19 مليون طفل، لا سيما في البلدان منخفضة الدخل. وعلى مستوى العالم، يُعدّ هذا المرض من أبرز أسباب وفاة الأطفال دون سنّ الخامسة، ومع ذلك، فهو مرض يمكنُ الوقاية منه وعلاجه في كثيرٍ من الأحيان.

لسنواتٍ طويلةٍ، كانت الطريقة الرئيسية لعلاج سوء التغذية الحادّ والشديد تتمُّ داخل المستشفيات؛ فكان الأطفال يحصلون على حميات غذائية خاصة تعتمد على الحليب، وفق جداول تغذية دقيقة لعدة مراتٍ في اليوم. بيد أن توفير هذا النوع من الرعاية لم يكن أمرًا سهلًا. فقد كان لا بدَّ من خلط الحليب بمياه نظيفةٍ، واستخدامه بسرعةٍ، وحفظه مبردًا بين الوجبات لمنعه من الفساد. وهذا يعني أنَّ المستشفيات كانت بحاجة إلى مياه آمنة، وتبريد، وطاقم طبي مدرَّب، ومراقبة دقيقة لضمان سلامة العلاج؛ وهي موارد كانت شحيحةً في كثيرٍ من الأحيان.

وفي كثير من المناطق، كانت المستشفيات مكتظة وتعاني من نقص في الطواقم الطبية، كما كانت بعيدة جدًا عن منازل الأطفال؛ فكان على العائلات السفر لمسافات طويلة، والانتظار أحيانًا لأيام متواصلة للحصول على سرير شاغر. وبمجرد بدء العلاج، كان الأمر يستغرق أسابيع؛ ولم يكن بمقدور الكثير من الآباء البقاء في المستشفى طوال تلك المدة، لا سيما إذا كان لديهم أطفال آخرون في المنزل أو وظائف يجب عليهم العودة إليها. ونتيجة لذلك، لم يصل بعض الأطفال إلى المستشفى أبدًا، بينما غادره آخرون قبل أن يتماثلوا للشفاء التام.

وعندما عملتُ طبيبًا شابًّا في إفريقيا وآسيا، شاهدتُ هذه المعاناة رأي العين؛ إذ كان الكثيرُ من الأطفال يفقدون حياتهم لأنَّ الرعاية الصحية المناسبة كانت بعيدةً عن متناولهم ومتناول عائلاتهم. لذا، عقدتُ العزم على إيجاد وسيلة أفضل لعلاجهم.

معجونٌ سحري قلب كل الموازين

بدأتُ -في أواخر التسعينيات- في التفكير في نوع جديد من الغذاء لعلاج سوء التغذية الحادّ والشديد؛ نوعٍ يكون بفعالية الحميات الغذائية المُقدمة في المستشفيات، ولكن بأسلوبٍ أسهل استخدامًا وأكثر أمانًا في الأماكن التي تفتقرُ للمياه النظيفة أو الكهرباء. وبدلًا من البدء من نقطة الصفر، حاولتُ الربط بين حقائق بسيطة كنَّا ندركُها بالفعل للوصول إلى حلٍّ أفضل.

فللتعافي من سوء التغذية -مثلًا- يحتاج الأطفال إلى غذاء غني بالطاقة، خاصةً تلك المستمدة من الدهون. وقد كنتُ أعلم مسبقًا أن الحميات الغذائية السائلة التي تعتمد على الحليب في المستشفيات تشكِّل خطرًا خارجها، لأن البكتيريا تنمو بسرعة في الأطعمة التي تحتوي على الماء؛ فهي تحتاج إلى الغذاء والماء معًا لكي تنمو، ومن هنا لمعت في ذهني فكرة: إذا استطعنا ابتكار غذاء غني بالدهون ولا يحتوي على الماء، فقد يكون استخدامه داخل المجتمعات المحلية أكثر أمانًا. وإذا كان مذاقه طيبًا، فسيُقبل الأطفال على تناوله بأنفسهم.

تعاونتُ مع خبيرٍ في تكنولوجيا الأغذيةِ يُدعى Michel Lescanne، واستكشفنا معًا خيارات عديدةً لهذا النوع من الغذاء: كالبسكويت، وقوالب الطاقة، والفطائر، وحتى الكعك المحلّى. لكنَّ هذه الخيارات كانت إما شديدة الهشاشة، أو صعبة التخزين، أو أنَّ عملية الطهي والخبز اللازمة لتحضيرِها كانت تُتلفُ بعض الفيتامينات التي يحتاجها الأطفال. ثم أدركنا أنَّ المعجون القابل للدهن -مثل زبدة المكسرات- قد يكونُ الحلَّ الأمثل، فهو قادرٌ على الاحتفاظ بجميع العناصر الغذائية الموجودة في حليب المستشفيات، ولكن دون قطرة ماء واحدة. فاستبدلنا جزءًا من الحليب المجفف الموجود في الوصفة الأصلية للمستشفى بزبدة الفول السودانيّ، وابتكرنا معجونًا له القيمة الغذائية ذاتها. يتميز هذا المعجون بقدرته على البقاء صالحًا لشهور دون حاجة للتبريد، كما أنَّ مذاقَهُ لذيذٌ. لقد اختبرنا مدى أمانه عبرَ تعمُّد تلويث عينة منهُ بالبكتيريا، واكتشفنا أنَّ البكتيريا لا يمكنُها النموُّ بداخلهِ أبدًا. وهذا يعني إمكانية تخزينه دونَ ثلاجةٍ، وتناوله بأمانٍ مباشرةً من العبوة. أما المنتجُ النهائيُّ فهو ما نُسميه اليوم الغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام (RUTF؛ كما في الشكلين B, 1A).

اللوحة (أ) تعرض صورة مقرّبة لأيدٍ تحمل عبوات مُعلّمة باسم "بلامبي نات" (Plumpy’Nut)، وهو مكمل غذائي لعلاج سوء التغذية. اللوحة (ب) تصور طفلاً يرتدي قبعة مخططة باللون الوردي وهو يأكل من كيس تغذية مُعلّم بـ"أغذية علاجية جاهزة للاستخدام" (RUTF). اللوحة (ج) تعرض مقدم رعاية يحمل طفلاً صغيراً بينما يد شخص آخر يقيس محيط الذراع العلوي للطفل بشريط ترميز لوني، بغرض الكشف عن سوء التغذية.
  • شكل 1 - (A) الغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام هو معجون غنيّ بالطاقة، يأتي في عبوات سهلة الاستخدام، ويظلُّ صالحًا لشهور دون حاجةٍ للتبريد (Wikimedia Commons, CC BY 2.0).
  • (B) يمكنُ للأطفال تناولُ هذا المعجون مباشرةً من العبوة داخل منازلِهم، مما يقلل من الحاجة للبقاء في المستشفيات لعلاج سوء التغذية (Flickr, CC BY-NC 2.0). (C) يُستخدم شريط محيط الذراع العلوي لقياس محيط الذراع العلوي للطفل؛ فإذا وقعت القراءة في النطاق الأحمر، فهذا يعني أنَّ الطفل مُعرض لخطر الوفاة بسبب سوء التغذية الحادّ. ويشيرُ اللون الأصفر إلى أنَّ الطفل معرض للخطر، بينما يعني اللون الأخضر أنَّ حالتهُ مستقرةٌ وآمنةٌ على الأرجح (Wikimedia Commons, CC BY-SA 2.0).

في البداية، اختبرنا الغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام داخل المستشفيات للتأكد من عدم وجود آثار جانبية، ولمقارنته بالعلاج القياسيّ المعتاد. وجاءت النتائجُ أفضلَ مما توقعنا؛ فقد أحبَّ الأطفال هذا الغذاء وتناولوه بسهولة، وزادَ وزنهم بوتيرة أسرع، وقضوا وقتًا أقلَّ في العلاج، وتماثلوا للشفاء بكفاءةٍ تامةٍ، بل وبنتائج أفضل أحيانًا [1, 2]. وعلى الرغمِ من أنَّ فكرةَ علاج سوء التغذية بمعجونٍ حلو المذاق يعتمد على الفول السودانيّ بدت غريبة للكثير من الخبراء آنذاك، بدأنا نتساءلُ: إذا كان هذا المعجون قد نجح في المستشفى، فهل يمكنُ أن ينجح في المنزل أيضًا؟

مِنَ المستشفياتِ إلى بيوتِ العائلاتِ

بمجرد إثبات فعالية الغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام في المستشفيات، كانت الخطوة التالية هي معرفة مدى قدرته على مساعدة الأطفال في التعافي داخل منازلِهم.

لقد مثَّل العلاج المنزلي تحولًا جذريًّا في التفكير، وهو أمرٌ لم يوافق عليه الكثير من الخبراء في ذلك الوقت. لكنني كنتُ أدركُ تمامًا أننا إذا تمكنا من استخدام غذاء آمن ومغذٍّ خارج أسوار المستشفى، فسنتمكن من الوصول إلى عددٍ أكبر بكثيرٍ من الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية. وسيكونُ هذا ذا أهميةٍ قصوى خاصةً في المناطق التي تعاني فيها المستشفيات من الازدحام الشديد أو تقع في أماكن بعيدةٍ جدًّا.

وعلى الرغم من أنني لم أقُد التجارب المجتمعية الأولى بنفسي، فإن العديد من الباحثين أبدوا استعدادًا لاختبار هذا النهج الجديد. ففي ملاوي، بدأ فريق من الباحثين في تقديم الغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام للأطفال داخل منازلهم [3]. وبالتزامن مع ذلك تقريبًا، عمل باحث آخر مع برامج الصحة المجتمعية في إثيوبيا ودول أخرى [4]. وكانت النتائج الأولية التي توصلوا إليها واضحة؛ فالأطفال الذين عُولجوا في منازلهم باستخدام هذا الغذاء زاد وزنُهم، وتماثلوا للشفاء، وكانوا أكثر التزامًا بإكمال فترة العلاج.

وقد ساهمت هذه الدراسات في تغيير طريقة تفكير الناس حول علاج سوء التغذية؛ فعندما أصبحت العائلات قادرةً على تقديم العلاج بنفسها، بدأ تقديم الرعاية في مرحلة أبكر، ووصلت إلى عددٍ أكبر من الأطفال، وتناغمت بشكل أفضل مع تفاصيل حياتهم اليوميةِ (الشكل 2). وقد أدى ذلك إلى تسريع وتيرة عملية التعافي، فباتت أكثر أمانًا، وزادت نسبة نجاحها.

تُظهر اللوحة (أ) مشهداً في مستشفى لطفل مستلقٍ على السرير يتلقى رعاية طبية من طبيب وممرضة، بينما يراقبه أفراد عائلته. وتصور اللوحة (ب) بيئة مجتمعية حيث يقوم البالغون بتوزيع عبوات من الأغذية العلاجية الجاهزة للاستخدام على الأطفال تحت لافتة توضح فوائد المنتج.
  • شكل 2 - غيّر الغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام مسار علاج سوء التغذية الحادّ والشديد.
  • (A) قبل ظهور هذا الغذاء، كان العلاج يتطلب البقاء لفتراتٍ طويلةٍ في المستشفى، حيث يتلقى الأطفال تركيبة غذائية تعتمد على الحليب وفق جدول زمنيّ منتظم. وكانت تلك التركيبة تحتاج إلى التبريد لمنع فسادِها. وغالبًا ما كانت المستشفيات مكتظّة، وفي بعض الأحيان كانت العائلات تعيش في أماكن بعيدة ولا تستطيع البقاء طوال فترة العلاج. (B) يتميز الغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام بمزايا عديدة مقارنةً بالعلاج التقليدي المعتمد على الحليب. وقد أظهرت الدراسات أن الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية وتناولوا هذا الغذاء في منازلهم زاد وزنهم، وتماثلوا للشفاء، وكانوا أكثرَ عرضةً لإتمام البرنامج العلاجيّ (حقوق الشكل: somersault18:24 Studio BV).

البحث عن الأطفال الأكثر احتياجًا للمساعدة

حتى أفضل أنواع العلاج لا يمكنُها تقديم العون إذا لم نعرف أي الأطفال يحتاجون إليها. ولسنواتٍ طويلةٍ، كانت الطريقة الرئيسية لتحديد حالات سوء التغذية الحادّ تعتمد على مقارنة وزن الطفل بطولِهِ. وقد تطلبَ هذا الأمر قياسات دقيقة، ومعدات خاصة، وجداول بيانية معقدة؛ وهي أدوات كانَ يصعبُ استخدامها في العيادات المكتظة أو القرى الريفية.

أما الخيار الأبسط فهو إجراء قياس يُسمى محيط منتصف الذراع العلوي (MUAC) (الشكل 1C). وتعتمد هذه الطريقة على استخدام شريط قياس صغير ملون يُلفُّ حول منتصف ذراع الطفل.

غالبًا ما تكون أذرع الأطفال المصابين بسوء التغذية الحادّ نحيلة جدًّا، لذا فإنَّ القياس الصغير يمكن أن يكون علامة تحذير على وجود خطر. فإذا أظهر الشريط اللون الأحمر، فإنَّ الطفل في خطر بالفعل، في حين يعني اللون الأصفر أنه معرض للخطر، أما اللون الأخضر فيعني أنَّ حالته مستقرة على الأرجحِ. ولا يستغرق الأمر سوى ثوانٍ معدودةٍ، ويمكن حتى للآباء أو المتطوعين في المجتمع تعلّمه بسهولة.

لم أكن أول شخص يقترح استخدام قياس محيط منتصف الذراع العلوي، فقد كانت هذه الفكرة موجودة منذ سنواتٍ. ولكن خلال أبحاثي في السنغال وبنغلاديش، ساعدتُ في إثباتِ أمرٍ بالغِ الأهميةِ؛ وهو أنَّ هذا القياس قادر على تحديد الأطفال الأكثر عرضةً لخطر الوفاة بسبب سوء التغذية الحادِّ والشديد بدقة [5]. أي أنه لم يكن سهل الاستخدام فحسب، بل كان فعالًا أيضًا. واليومَ، يُستخدمُ هذا القياس في جميع أنحاء العالم لاكتشاف سوء التغذية في وقتٍ مبكرٍ لكي يتمكن الأطفال من الحصول على المساعدةِ قبل فوات الأوان.

من الشكّ إلى تغيير جذري عالميّ

عندما طرحنا لأول مرةٍ فكرة استخدام معجون قابل للدهن لعلاج الأطفال المصابين بسوء التغذية الحادّ، لم يصدق كثيرٌ من الخبراء أنّها ستنجح. فقد كانوا مقتنعين بأنَّ الأطفال الذين وصلوا إلى هذه المرحلة من المرض لا يمكنُهم التعافي إلا بتناولِ تركيباتٍ سائلةٍ داخلَ المستشفى، حيثُ يمكنُ أن يتلقوا الرعايةَ على يدِ طواقمَ مدربةٍ. لذا، فقد بدا لهم أن المعجون المعتمد على الفول السودانيّ أبسط مما يجب... ومحفوفًا بالمخاطر. بل إنَّ البعض أخبرنا أنَّ الفكرة لن تنجح أبدًا.

ومع زيادة عدد الباحثين الذين درسوا استخدام الغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام في المجتمع، أصبح من الصعب تجاهل النتائج؛ لقد أحبَّ الأطفال هذا المعجون، وتناولوه بسهولة، وزاد وزنهم، وتماثلت حالتهم للشفاء. كما أحبَّت العائلات قدرتها على علاج أطفالها داخل المنزل. وحتى الحالات المعقدة التي كانت لا تزال بحاجة لرعاية داخل المستشفى، باتت فترة بقائها في المستشفى أقصر بكثيرٍ. وبعد علاج المضاعفات، كان يمكنهم مواصلة علاج سوء التغذية بأمانٍ في المنزل. لقد غيرت الأدلة العلمية الآراء والسياسات أيضًا. واليوم، تستخدم أكثر من 70 دولةً الغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام لعلاج سوء التغذية الحادّ والشديد.

بل إنَّ منظمة اليونيسف تصفه الآن بـ ≪الغذاء المعجزة≫، وتدرجه منظمة الصحة العالمية ضمن قائمتها للأدوية الأساسية. وفي عام 2022 وحده، حصلت منظمة اليونيسف على كميات من هذا الغذاء تكفي لعلاج ما يُقدر بثمانية ملايين طفل.

عندما شككَ الآخرون في هذه الفكرة، واصلتُ العمل عليها لأنني كنت أؤمن بقدرتها على إحداث فرق حقيقي. والآن، عندما يخبرني مستخدمو الغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام أنه ينقذُ الكثير من الأرواح، أشعر بقدرٍ كبير من الرضا. غير أن التفكير في النجاحات الماضية لا ينبغي أن ينسينا أنَّ العديد من الأطفال لا يزالون يعانون من سوء التغذية. لذا، يجب أن يظلَّ السعي لتحسين أوضاعهم أولوية كبرى. ومن هنا، يعكف العديد من العلماء من جميع أنحاء العالم على تعزيز فعالية الوصفة الحالية لهذا الغذاء أو تقليل تكلفتها. ويطور آخرون منتجات أكثر ملاءمة للأطفال الذين يعانونَ من مضاعفات صحية. فيما يركزُ فريق آخر على الوقاية من سوء التغذية من الأساس. وأحرص أنا على متابعة كل هذه الأبحاث قدر المستطاع، وأقدمُ المشورةَ كلما أتيحت لي الفرصة للمساعدة.

رسالةٌ من العالِم الذي ساهم في تغيير قواعد اللعبة

كان هدفي دائمًا هو التأكد من أنَّ الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحادِّ يمكنهم الحصول على الرعاية التي يحتاجون إليها، بغضّ النظر عن مكان عيشِهم. وكان ذلك يعني إيجاد حلولٍ عمليةٍ، واختبارها بعنايةٍ، والتعاون مع الآخرين لتوفيرها في جميع أنحاء العالم. أما مصدر إلهامي الرئيسي فقد كان أمرًا بسيطًا: وهو مشاهدةُ طفلٍ كان أضعف من أن يبتسم وهو يتعافى وتعود الابتسامة إلى وجهه من جديد. تلك اللحظة تذكرني دائمًا بأهمية هذه الجهود.

يتطلب هذا النوع من التقدم —أي تحويل فكرة علمية إلى أداة بسيطة تساعد الملايين من الناس— عملًا جماعيًّا متكاملًا. ولقد تمثّل دوري في الربط بين حقائق معروفة في مجالات مختلفة، والتعاون مع الآخرين لتحويل تلك الأفكار إلى حلول عملية. فبعض أهمّ الاكتشافات العلمية تحدث عندما يصغي أشخاص من خلفيات متنوعة —مثل الطبّ والتغذية وعلوم الأغذية— لبعضهم البعض، ويُكمل كلٌّ منهم عمل الآخر ويبني عليه.

وإذا كنتَ مهتمًّا بالغذاء، أو الصحة، أو العدالة، فثمة طرقٌ عديدةٌ لإحداث فرق؛ فقد تصبحُ عالمًا، أو طبيبًا، أو مهندسًا، أو تختار مسارًا مختلفًا تمامًا، ولكن الأهم هو أن تظل منفتح الذهن. استمرَّ في طرح الأسئلة، وابحثْ عن طرق جديدة لاستخدام ما تعرفه بالفعل، لا سيما من خلال العمل مع الآخرين. فحتى المشكلات التي تبدو عصّية على الحل، يمكن حلّها بأفكار بسيطة وعملية وبروح الفريق الواحد.

شكر وتقدير

أود أن أشكر الدكتورة سوزان ديباد على أسئلتها العميقة ومساهمتها التعاونية ومشاركتها في تأليف هذه المقالة.

تم إنشاء الشكل 2 بواسطة Somersault18:24. تم الحصولُ على موافقة خطية مستنيرة من الأفراد لنشر أيّ صور أو بيانات يمكن التعرف عليهم من خلالها في هذا المقال.

إقرار بشأن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي

يُقر المؤلفون بعدم استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في تأليف هذه المقالة.

إن أي نص بديل يرد بجانب الأشكال في هذا المقال تم إنشاؤه بواسطة Frontiers باستخدام الذكاء الاصطناعي، وقد بذلنا جهودًا معقولة لضمان دقته، ومن بينها مراجعة المؤلفين له قدر الإمكان. وإذا لاحظت أي مشكلات فيه، يُرجى التواصل معنا.

مسرد للمصطلحات

سوء التغذية الحاد والشديد (Severe Acute Malnutrition): هو حالة صحية خطيرة لا يحصلُ فيها الجسمُ على ما يكفيه من العناصر الغذائية لفترةٍ طويلةٍ، مما يسببُ فقدان الوزن، والوهنَ، ويزيدُ من خطر الإصابة بالعدوى والوفاة.

العناصر الغذائية (Nutrients): هي مكونات الغذاء التي يحتاجُها الجسم لكي ينمو، ويحافظ على صحته، ويحصل على الطاقة؛ وتشملُ البروتينات، والدهون، والفيتامينات، والمعادن.

الغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام (Ready-to-use Therapeutic Food (RUTF)): هو نوع من المعجونِ الغذائيّ الخاص يُستخدم لعلاج الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد، ويتميز بأنه لا يحتاج إلى طهي أو خلطٍ بالماء.

محيط منتصف الذراع العلوي (Mid-upper Arm Circumference (MUAC)): هو طريقة سريعة للكشف عن سوء التغذية من خلال قياس محيط الذراع العلوي للطفل. وقد تعدُّ القياسات الصغيرة علامة تحذير تنبئ بالخطر.

إقرار تضارب المصالح

كان AB مستشارًا لشركة نوتريسيت، وهي الشركة التي أنتجت أوائل أنواع الغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام على نطاق صناعي، وذلك خلال مرحلتي التطوير والاختبار من عام 1996 إلى عام 2003.

إفصاح أدوات الذكاء الاصطناعي

تم إنشاء النص البديل (alt text) المرفق بالأشكال في هذه المقالة بواسطة "فرونتيرز" (Frontiers) وبدعم من الذكاء الاصطناعي، مع بذل جهود معقولة لضمان دقته، بما يشمل مراجعته من قبل المؤلفين حيثما كان ذلك ممكناً. في حال تحديدكم لأي خطأ، نرجو منكم التواصل معنا.


المراجع

[1] Briend, A., Lacsala, R., Prudhon, C., Mounier, B., Grellety, Y., and Golden, M. H. 1999. Ready-to-use therapeutic food for treatment of marasmus. Lancet 353:1767-8.

[2] Diop, E. H. I., Dossou, N. I., Ndour, M. M., Briend, A., and Wade, S. 2003. Comparison of the efficacy of a solid ready-to-use food and a liquid, milk-based diet for the rehabilitation of severely malnourished children: a randomized trial. Am. J. Clin. Nutr. 78:302–7. doi: 10.1093/ajcn/78.2.302

[3] Manary, M. J., Ndkeha, M. J., Ashorn, P., Maleta, K., and Briend, A. (2004). Home based therapy for severe malnutrition with ready-to-use food. Arch. Dis. Child 89:557–61. doi: 10.1136/adc.2003.034306

[4] Collins, S., and Sadler, K. 2002. Outpatient care for severely malnourished children in emergency relief programmes: a retrospective cohort study. Lancet 360:1824–30. doi: 10.1016/S0140-6736(02)11770-3

[5] Briend, A., Wojtyniak, B., and Rowland, M. G. 1987. Arm circumference and other factors in children at high risk of death in rural Bangladesh. Lancet 2:725–8.