ملخص
الخلايا الجذعية هي نوع من الخلايا القادرة على التكاثر دون حدود والتحول إلى أشكال متنوعة من خلايا الجسم. تنتشر هذه الخلايا في كل مكان داخل أجسامنا، وتعمل بجد لتبقينا أحياء وفي صحة جيدة. وقد توصّل العلماء إلى آليات تحويل الخلايا الجذعية إلى أيّ نوعٍ من الخلايا يحتاج إليه الجسم، من الخلايا الليفية إلى الخلايا العصبية. وقد يساهم هذا الاكتشاف في إيجاد علاج ناجع لأمراض خطيرة مثل داء باركنسون وداء ألزهايمر. وسنصطحبكم في هذا المقال في رحلة للتعرّف على الخلايا الجذعية وقدراتها الفريدة، ونناقش توظيفاتها العلمية في علاج بعض أمراض الدماغ.
ما هي الخلايا الجذعية؟
تمتلك العديد من خلايا الجسم وظائف بالغة التخصص؛ فمثلًا تنقل خلايا الدم الحمراء الأكسجين إلى جميع أنحاء الجسم، بينما تحمي خلايا الجلد أجسامنا من البيئة المحيطة. لكن أجسامنا تحتوي أيضًا على نوعٍ فريدٍ آخر من الخلايا يُسمّى الخلايا الجذعية، وهي تختلف عن الخلايا الأخرى في أنها لا تملك وظيفة واحدة متخصصة، بل تتميّز بقدرتها على التكاثر إلى الأبد بدون توقف، كما يمكنها أن تتحوّل إلى أنواعٍ عديدةٍ أخرى من الخلايا، مثل الخلايا العصبية أو الخلايا الدهنية أو الخلايا العضلية أو خلايا الدم (الشكل 1). ويمكنك تخيل الخلايا الجذعية كبذور قادرة على النمو أو التمايز لتصبح أنواعًا مختلفة من الأشجار.
ومن المهم التنويه بأن الخلية الجذعية بمجرد تمايزها إلى خلية متخصصة، مثل الخلية العضلية أو الدهنية، لا يمكنها العودة إلى حالتها الأولى لتكون خلية جذعية مرة أخرى، ولا يمكنها أن تتحوّل إلى نوعٍ آخر من الخلايا المتخصصة.
- شكل 1 - يمكن للخلية الجذعية أن تتمايز إلى عدة أنواع أخرى من الخلايا.
إعادةُ نموِّ الأطرافِ المفقودة — قوةٌ خارقة لدى بعض الحيوانات
هل سبق لك أن رأيت برصًا دون ذيله؟ أو ربما سلطعونًا فقد أحد كماشتيه؟ لا تقلق! تملك هذه الحيوانات نوعًا من القوة الخارقة، إذ تستطيع أن تُعيدَ نموَّ الأجزاء التي فقدتها من أجسامها. ولكن كيف تتمكّن من فعل ذلك بالضبط؟
لنأخذ الأبراص مثالًا على ذلك؛ فداخل ذيل البرص، توجد بعض الخلايا الجذعية التي تُسمى الخلايا الجذعية الوسيطة، تكون غارقة في سُبات عميق. لكن في اللحظة التي تشعر فيها هذه الخلايا بوجود ضرر، فإنها تستيقظ وتبدأ العمل فورًا. أولًا، تنقسم الخلايا الجذعية الوسيطة لأن العدد الأصلي لا يكفي لإعادة نمو ذيل جديد بالكامل. وبمجرد أن تنتهي من التكاثر، تبدأ في التمايز، وقبل أن تدرك ذلك، يصبح لدى البرص ذيل جديد تمامًا!
ورغم أن هذا قد يبدو بسيطًا، فإن الواقع أكثر تعقيدًا بكثير مما وصفناه. ولكن لماذا لا يستطيع البشر إعادة نمو أطرافهم المفقودة؟
إن معظم الخلايا في أطراف الإنسان هي خلايا متمايزة تمامًا، لذا لا تتبقى خلايا جذعية كافية لإعادة بناء هيكل معقد مثل الذراع أو الساق. ومع ذلك، يمكن لبعض أعضاء الإنسان أن تنمو من جديد، مثل الكبد والجلد. إن المثال المذهل للأبراص يظهر القوة الكبيرة لما يمكن أن تفعله الخلايا الجذعية، والمستقبل الواعد لما يمكن للبشر تحقيقه بها بمجرد أن نعرف عنها المزيد.
هل يمكن للخلايا الجذعية أن تؤخر الشيخوخة؟
تُعد الخلايا الجذعية الوسيطة نوعًا من الخلايا الجذعية التي تؤدي وظائف متعددة. وهي أشبه ≫بقادة≪ في الجسم، فهي تصدر الأوامر إلى الخلايا ≫الجنود≪ الأخرى، وتخبرها بما يجب فعله عن طريق إرسال إشارات باستخدام جزيئات تُسمّىالسيتوكينات. تستطيع السيتوكينات تحسين صحة الجلد والحفاظ على توازن الجهاز المناعي. وبجانب إرسال الإشارات، تمتلك الخلايا الجذعية الوسيطة أيضًا قدرات على الملاحة والتوجيه، مما يعني أنها تستطيع تحديد موقع المناطق التالفة في الجسم والوصول إليها.
علاوةً على ذلك -وبفضل هذه الخلايا- قد لا يبقى تأخير آثار الشيخوخة حلمًا بعيد المنال. فأحد الأمور التي تحدث أثناء الشيخوخة هو أن الجلد يغدو رقيقًا ويفقد مرونته، والسبب في ذلك أن نوعًا مهمًا من الخلايا في الجلد، يُسمى الخلايا الليفية، يُصاب بالهِرَم ولا يعود قادرًا على إنتاج الكولاجين، وهو البروتين الذي يحافظ على صحة الجلد ومرونته. كما تؤدي هذه الخلايا دورًا مهمًا في شفاء الجروح [1]. وبتسخير قدرة الخلايا الجذعية الوسيطة على إنتاج السيتوكينات، بدأ العلماء في إبطاء عملية شيخوخة الخلايا الليفية. وغالبًا ما يكون ذلك عن طريق حقن الخلايا الجذعية الوسيطة في الجلد باستخدام إبرة دقيقة جدًا. وبدلًا من ذلك، يمكن استخدام منتجات العناية بالبشرة التي تحتوي على الكولاجين للأشخاص الذين يخافون من الإبر.
الخلايا الجذعية ودورها في علاج أمراض دماغية مرتبطة بالتقدم في العمر
لقد بحث العلماء أيضًا في استخدام الخلايا الجذعية والمنتجات المشتقة منها لعلاج بعض الأمراض المرتبطة بالعمر، مثل داء باركنسون و داء ألزهايمر [2].
يسبب داء باركنسون -على سبيل المثال- ضررًا في الدماغ يؤدي إلى أعراض تشمل صعوبة في الحركة أو مشكلات في بعض القدرات الذهنية. [3] وهو يحدث عندما تتوقف خلايا المريض عن إنتاج كميات كافية من الدوبامين، وهو مركب ضروري للتحكم في الحركة وتنسيق الوظائف الحركية. والدواء الأكثر استخدامًا لعلاج داء باركنسون هو الليفودوبا، المادة الأولية التي يستخدمها الجسم لإنتاج الدوبامين. لكن هذا الدواء لا يمكنه تعويض نقص الدوبامين في أجسام المرضى تمامًا (الشكل 2).
- شكل 2 - في داء باركنسون، تتوقف خلايا الدماغ عن إنتاج الدوبامين.
- (A) حاليًا، يتناول العديد من مرضى داء باركنسون دواءً يُسمّى الليفودوبا. ومع ذلك، وبعد مرور بعض الوقت، يصبح هذا الدواء غير فعّال. (B) بدلًا من ذلك، يدرس العلماء حاليًا ما إذا كان من الآمن والفعّال تحويل الخلايا الجذعية إلى خلايا دماغية تنتج الدوبامين، يمكن بعدها زرعها في المرضى. ويمكن لهذه الخلايا أن تحل محل الخلايا المعطّلة، وقد تكون علاجًا محتملًا لداء باركنسون.
ومع مرور الوقت، تقل حساسية الجسم لهذا الدواء، ويصبح الليفودوبا أقل فعالية في علاج أعراض داء باركنسون.
الخلايا الجذعية تقدّم لنا مستقبلًا واعدًا! فإذا تمكن العلماء من تحويل الخلايا الجذعية إلى خلايا دماغية منتجة للدوبامين، فبإمكانهم حينها زرع هذه الخلايا السليمة في أدمغة المرضى لتحل محل الخلايا المتضررة. وبوجود خلايا جديدة وصحية، قد تُحلّ مشكلة نقص الدوبامين مرةً واحدةً وللأبد.
وعلى الرغم من أن العلماء لم يكتشفوا بعد السبب الدقيق لمرض ألزهايمر، فقد حددت الأبحاث بعض الأسباب المحتملة له. فعادةً ما يتراكم نوعان من البروتينات داخل دماغ مريض ألزهايمر؛ أحدهما هو بروتين بيتا أميلويد الذي يشكِّل تكتلات حول الخلايا العصبية، مما يؤدي إلى إتلاف الخلايا المجاورة ومنعها من التواصل. أما النوع الآخر فهو بروتين تاو الذي يتراكم داخل الخلايا العصبية نفسها، مسببًا موتها.
ولا يوجد حاليًا علاج نهائي لمرض ألزهايمر، ويمكن للأدوية الحالية فقط تخفيف أعراضه. ولكن من خلال زرع الخلايا الجذعية في دماغ المريض، يمكنها أن تتمايز إلى خلايا عصبية جديدة، بحيث تحل محل الخلايا الميتة أو المتضررة. ثم تساعد هذه الخلايا العصبية الجديدة على استعادة بعض وظائف الدماغ وتحسين الضعف الإدراكي. ولا تكتفي الخلايا الجذعية باستبدال الخلايا العصبية المتضررة فحسب، بل تفرز أيضًا بعض المواد التي تساعد في حماية الخلايا السليمة المتبقية وتقليل موت المزيد منها.
بصيص من الأمل في خضم التحديات
اليوم، باتت التوقعات المتعلقة بعلاجات الخلايا الجذعية أعلى من أي وقت مضى.
ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من التحديات التي يجب على العلماء التغلب عليها [4, 5]. على سبيل المثال، لا تزال صعوبة توجيه الخلايا الجذعية للتمايز بدقة وثبات إلى الأنواع المطلوبة، وتعقيدات رفض الجهاز المناعي عند استخدام خلايا من مصادر مختلفة، تعيق التطبيق السريري الواسع لهذه العلاجات.
ورغم هذه التحديات، يملأ الأمل قلوب العلماء في أن توفر الخلايا الجذعية علاجًا لمجموعة متنوعة من الأمراض. فمع التقدّم في التكنولوجيا، مثل أدوات تعديل الجينات المتطورة وطرق التمايز الأكثر دقة، بات التغلب على هذه العقبات وتطوير علاجات أكثر أمانًا وفعالية أمرًا ممكنًا. ونأمل أن تساهم الخلايا الجذعية يومًا ما، في المستقبل القريب، في تحسين حياة البشر عبر تأخير الشيخوخة والمساعدة في مكافحة العديد من الأمراض المهمة التي ليس لها علاج حاليًا. وربما سنتمكن -في يوم من الأيام- حتى من إعادة نمو الأطراف المفقودة تمامًا كما تفعل الأبراص، وذلك بفضل قوة الخلايا الجذعية!
مسرد للمصطلحات
الخلايا الجذعية (Stem Cells): ↑ الخلايا الجذعية نوع مميّز من الخلايا يمتلك خاصيتين مهمّتَين؛ فهي قادرة على إنتاج مزيدٍ من الخلايا الشبيهة بها، وهذا ما يُسمى بالتجدد الذاتي.
التمايز (Differentiate): ↑ يعني أن تتحوّل الخلايا أو تصبح مختلفةً أثناء عملية النمو أو التطوّر.
الخلايا الجذعية الوسيطة (Mesenchymal Stem Cells): ↑ الخلايا الجذعية الوسيطة هي خلايا بالغة متعددة القدرات، يمكنها التمايز إلى أنواع متنوعة من الخلايا، بما في ذلك الخلايا البانية للعظام (خلايا العظم) والخلايا الدهنية (الخلايا الشحمية).
السيتوكينات (Cytokines): ↑ هي بروتينات صغيرة بالغة الأهمية في التحكم بنمو ونشاط خلايا الجهاز المناعي وخلايا الدم الأخرى.
الخلايا الليفية (Fibroblasts): ↑ هي نوع من الخلايا التي تساهم في تكوين الأنسجة الضامة، وهي مادة خلوية تدعم وتربط الأنسجة أو الأعضاء الأخرى في الجسم.
الكولاجين (Collagen): ↑ هو بروتين يُشكّل الوحدة الأساسية لبناء الجلد والعضلات والعظام والأوتار والأربطة وغيرها من الأنسجة الضامة في الجسم.
داء باركنسون (Parkinson’s Disease): ↑ داء باركنسون هو اضطراب حركي يصيب الجهاز العصبي ويزداد سوءًا مع مرور الوقت.
داء الزهايمرِ (Alzheimer’s Disease): ↑ هو اضطراب دماغي يدمر ببطءٍ الذاكرة والقدرة على التفكير، وفي نهايةِ المطافِ يسلبُ المريض قدرتَهُ على أداءِ أبسط المهام اليوميَّة.
إقرار تضارب المصالح
يعلن المؤلفون أن البحث قد أُجري في غياب أي علاقات تجارية أو مالية يمكن تفسيرها على أنها تضارب محتمل في المصالح.
شكر وتقدير
حظي هذا البحث بدعم من البرنامج الوطني الصيني للبحث والتطوير الرئيسي (2020YFA0113000)، وبرنامج البحوث الأساسية في شنغهاي (25J22800700، 24JS2810400، و20JC1412200)، والمؤسسة الوطنية الصينية للعلوم الطبيعية (81971324 و82474345)، ومبادرة الأكاديمية الصينية للعلوم الطبية للطب الابتكاري (2022-I2M-1-012).
إقرار بشأن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي
إن أي نص بديل يرد بجانب الأشكال في هذا المقال تم إنشاؤه بواسطة Frontiers باستخدام الذكاء الاصطناعي، وقد بذلنا جهودًا معقولة لضمان دقته، ومن بينها مراجعة المؤلفين له قدر الإمكان. وإذا لاحظت أي مشكلات فيه، يُرجى التواصل معنا.
إفصاح أدوات الذكاء الاصطناعي
تم إنشاء النص البديل (alt text) المرفق بالأشكال في هذه المقالة بواسطة "فرونتيرز" (Frontiers) وبدعم من الذكاء الاصطناعي، مع بذل جهود معقولة لضمان دقته، بما يشمل مراجعته من قبل المؤلفين حيثما كان ذلك ممكناً. في حال تحديدكم لأي خطأ، نرجو منكم التواصل معنا.
المراجع
[1] ↑ Talbott, H. E., Mascharak, S., Griffin, M., Wan, D. C., Longaker, M. T. 2022. Wound healing, fibroblast heterogeneity, and fibrosis. Cell Stem Cell. 29:1161–80. doi: 10.1016/j.stem.2022.07.006
[2] ↑ Wilson, J. M. 2009. Medicine. A history lesson for stem cells. Science 324:727–8. doi: 10.1126/science.1174935
[3] ↑ De Strooper, B., and Karran, E. 2016. The cellular phase of Alzheimer’s disease. Cell 164:603–15. doi: 10.1016/j.cell.2015.12.056
[4] ↑ Li, Y. -R., Dunn, Z. S., Yu, Y., Li, M., Wang, P., Yang, L., et al. 2023. Advancing cell-based cancer immunotherapy through stem cell engineering. Cell Stem Cell. 30:592–610. doi: 10.1016/j.stem.2023.02.009
[5] ↑ Yamanaka, S. 2020. Pluripotent stem cell-based cell therapy-promise and challenges. Cell Stem Cell. 27:523–31. doi: 10.1016/j.stem.2020.09.014