مفاهيم أساسية علوم الأرض نشر بتاريخ: 29 مايو 2026

مَساراتٌ نحو عالم نقي وخالٍ من الكربون

ملخص

يجب على البشر السعي إلى تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بسرعة للحد من الاحترار العالمي والحؤول دون تغير المناخ الخطير. ومع ذلك، فإن السياسات التي تبنتها الدول حول العالم حتى الآن ليست كافيةً، لكن الخبر السار هو أنَّ بوسعِنا فعل الكثير لمواجهة هذا التحدي. أولًا، يمكننا توفير الطاقة باستخدام أكثر التقنيات كفاءةً في استهلاك الطاقة، ومن خلال تغيير أنماط حياتنا. ثانيًا، يمكننا استخدام مصادر طاقة خالية من ثاني أكسيد الكربون مثل الطاقة الشمسية والرياح والطاقة المائية. ثالثًا، يمكننا الاستثمار في تقنيات قادرة على إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجويّ. وأخيرًا، يمكننا إعادة زراعة الغابات في جميع أنحاء الكوكب. وإلى جانب ذلك، يتخيل العلماء ≪سيناريوهات≫ مستقبلية بديلة تشمل مزيجًا من التكنولوجيا والطاقة وحلول نمط الحياة. ونحن نعلم أن هذا ممكن، لكننا بحاجة إلى التحرك الآن لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، حتى لو كان ذلك يعني اتخاذ قرارات صعبة.

لا بد للعالم من تقليل انبعاثات غازات الدفيئة

يتعرض مناخ العالم لارتفاع في درجات الحرارة بسبب أنشطة البشر، مثل حرق الفحم والنفط والغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء وتدفئة منازلنا وتزويد سياراتنا بالوقود (الشكل 1A). وفي اتفاق باريس لعام 2015، تعهدت دول العالم بالحد من زيادة متوسط درجة الحرارة العالمية إلى أقل بكثير من درجتين مئويتين. كما تسعى هذه الدول لتبقى الزيادة عند حدود 1.5 درجة مئويةً فقط، مقارنةً بما كانت عليه قبل الثورة الصناعية حين بدأ البشر استخدام الوقود الأحفوري بكثافةً، وقد وضعت هذه الأهداف الطموحة لمنع الآثار الكارثية المحتملة لتغير المناخ التي قد تؤثر على حياتنا. وفي الوقت الحالي، ارتفعت حرارة الأرض بالفعل بنحو 1.4 درجة مئويةً، وباتت تداعيات تغيُّر المناخ تُلقي بظلالها على حياتنا بشكل ملحوظ للجميع.

إنفوجرافيك بثلاثة أقسام: يعرض اللوح (أ) أيقونات تربط النقل والطاقة وإزالة الغابات والزراعة بانبعاثات ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز. اللوح (ب) عبارة عن رسم بياني خطي يوضح انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من عام 2020 إلى عام 2100 في ظل ثلاثة سيناريوهات للسياسات: السياسات الحالية (أحمر، متزايدة)، أقل بكثير من درجتين مئويتين (أخضر، متناقصة)، وأقل من 1.5 درجة مئوية (أزرق، متناقصة بشكل حاد). اللوح (ج) عبارة عن رسم بياني خطي لارتفاع درجة الحرارة المتوقع، يوضح الزيادات المقابلة للسياسات، حيث تتجاوز السياسات الحالية ثلاث درجات مئوية وتحافظ السياسات الأكثر صرامة على الارتفاع أقل من درجتين مئويتين بحلول عام 2100.
  • شكل 1 - (A) تنتج معظم انبعاثات غازات الدفيئة من حرق الوقود الأحفوري في أنشطة الصناعة والمنازل ووسائل النقل، ومن توليد الكهرباء، وكذلك من قطع الغابات والأنشطة الزراعية المختلفة.
  • (B) بناءً على السياسات والتوجهات الحالية، فمن المرجح أن تبقى الانبعاثات ثابتةً، بينما تقتضي أهداف اتفاق باريس للمناخ أن تنخفض هذه الانبعاثات. (C) يعني هذا أن توقعات درجات الحرارة ستظل أعلى من تلك التي حددها اتفاق باريس للمناخ (أقل بكثير من درجتين مئويتين). الشكل مستند إلى تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ [1, 2].

إن أهم خطوة يمكننا اتخاذها للحد من الاحترار العالمي هي التوقف عن إطلاق ثاني أكسيد الكربون، وهو الغاز الدفيء الرئيسي، بالإضافة إلى غازات أخرى مثل الميثان وأكسيد النيتروز إلى الغلاف الجوي، إذ أن هناك علاقة مباشرة بين كمية ثاني أكسيد الكربون التي نطلقها في الغلاف الجوي وبين مستوى ارتفاع حرارة الأرض. وبناءً على ذلك، يتحدث علماء المناخ غالبًا عما يُسمى ميزانية الكربون المتبقية، وهي أقصى كمية من ثاني أكسيد الكربون يمكن إطلاقها قبل أن يتجاوز الاحترار العالمي هدف الحرارة المحدد. فللبقاء دون 1.5 درجة مئويةً، لا يمكننا إطلاق أكثر من نحو 250 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون ابتداءً من اليوم، مع خفض انبعاثات غازات الدفيئة الأخرى أيضًا. وهذا يعادل نحو ست مرات فقط من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي أُطلقت في عام 2023 وحده [1]. وللبقاء دون 1.5 درجة مئويةً، يجب خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى حد كبير بدءًا من الآن، والوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050 (الشكل 1B). وللحفاظ على ارتفاع درجات الحرارة أقل بكثير من درجتين مئويتين، يجب أيضًا خفض الانبعاثات بسرعة، مع الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2070 [1]. ورغم أن هذه السنوات قد تبدو بعيدةً، إلا أنها تعني ضرورة التحرك الفوري. فمن الواضح أن الحد من الاحترار عند درجة ونصف مئوية سيكون أشقَّ بكثير من البقاء أقل بكثير من درجتَين، غير أننا إن نجحنا في ذلك، فإن أضرار تغير المناخ ستكون أخف وطأةً بكثير.

وثمة دول باتت تسلك درب خفض انبعاثاتها، بينما لا تزال انبعاثات دول أخرى في تصاعد مستمر، غير أن إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة في العالم ما زال في ازدياد. وبالنظر إلى الأفعال والسياسات الحالية التي تطبقها الدول، فمن المرجح أن ترتفع درجات الحرارة بنحو 2.5 إلى 3.5 درجة مئويةً بحلول نهاية هذا القرن، ما سيؤدي إلى عواقب سيئة على جميع أشكال الحياة على كوكب الأرض (الشكل 1C) [14].

وتنتج انبعاثات ثاني أكسيد الكربون غالبًا من حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات، ولن يكون الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية أمرًا سهلًا لأن هذا الوقود يُستخدم في كل مجالات حياتنا. فكّر مثلًا في أجهزة التدفئة في منازلنا، ومحطات الطاقة التي تعمل بالفحم والغاز لتوفير الكهرباء، والنفط الذي يحرك السيارات والطائرات. وهنا، يبقى السؤال المهم: ما مدى سرعتنا في الابتعاد عن هذه التقنيات القديمة واعتماد أخرى جديدة؟ وما هي التغييرات الأساسية التي نحتاجها لإيقاف الاحترار العالمي؟ هذه هي الموضوعات الشيقة التي سنناقشها في هذا المقال.

الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية

للوقوف على التغييرات التي يمكن أن تساعدنا على الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية، يجمع العلماء بيانات حول التغييرات التكنولوجية والاجتماعية الممكنة، ثم يستعينون بالنماذج الحاسوبية لوضع سيناريوهات، وهي خطط عمل مقترحة يمكن للعالَم اتباعها للبقاء ضمن ميزانية الكربون المتبقية [5]. وسنستعرضُ فيما يلي أربعة أنواع من الإجراءات التي يمكن للناس اتخاذها للحد من انبعاثات غازات الدفيئة.

تقليل استهلاك الطاقة في المباني ووسائل النقل والصناعة

نستخدم الطاقة في حياتنا اليومية للتدفئة والتبريد وإضاءة منازلنا ومدارسنا ومكاتبنا، وللطهي والقيام بمهامنا اليومية الأخرى، وتحتاج الصناعات إلى الطاقة لتصنيع منتجات مثل الملابس. كما تُستخدم الطاقة في نقل البضائع والركاب في السيارات والسفن والطائرات. ويُعد الوقود الأحفوري في يومنا هذا هو المصدر الرئيسي لمعظم هذه الطاقة. وثمة عدة طرق يمكننا من خلالها تقليل استهلاكنا الإجمالي للطاقة في هذه الأغراض؛ إذ يمكننا -مثلًا- تحسين عزل المباني، والحفاظ على درجة حرارة مريحة (ليست شديدة البرودة ولا شديدة الحرارة)، والانتقال إلى أنظمة تدفئة أكثر كفاءة، مثل المضخات الحرارية. ويمكن لهذه التغييرات مجتمعة أن تسهم في تقليل الانبعاثات بنسبة تتراوح بين 40% و70% بحلول عام 2050. كما أن تقليص استهلاكنا للطاقة سيجعل التخلي عن الوقود الأحفوري أيسر تكلفة وأسرع وتيرة، إذ لن نضطر إلى تشييد عدد كبير من توربينات الرياح والألواح الشمسية وسائر مصادر الطاقة المتجددة.

الاستعاضة عن الوقود الأحفوري بمصادر الطاقة المتجددة

لقد غدت مصادر الطاقة المتجددة، كطاقة الرياح والطاقة الشمسية، أقل تكلفةً على مدار العقد الماضي، ما يجعلها بدائل جيدة للوقود الأحفوري في توليد الكهرباء دون إنتاج غازات الدفيئة. بيد أن الشمس والرياح لا يمكنهما دائمًا توفير كل احتياجاتنا من الطاقة؛ ففي بعض الأحيان لا تشرق الشمس ولا تهّب الرياح، كما أن الكهرباء ليست بديلًا مناسبًا لجميع الاستخدامات في بعض الحالات.

لذلك، نحن بحاجة إلى حلول إضافية مثل البطاريات القوية لتخزين الطاقة، وشبكات الكهرباء الضخمة لنقلها من مكانٍ لآخر بيسر. كما يمكننا أيضًا الاعتماد على الطاقة الحيوية، حيث نستخدم المحاصيل أو الأشجار التي نتبنى في زراعتها آليات الزراعة المستدامة لتوليد القوة اللازمة. كما يمكننا الاستمرار في استخدام الوقود الأحفوري مع تقنية احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه، وهي تقنية تسمح بإزالة ثاني أكسيد الكربون من غازات العوادم وتخزينه تحت الأرض، أو يمكننا استخدام الطاقة النووية. ورغم كل هذه الحلول، لا تزال هناك بعض الانبعاثات التي يصعُب تقليلها~جدًا.

خفض الانبعاثات في القطاعات الصعبة

ثمة انبعاثات يصعُب تقليصها بسهولة، كتلك الناتجة من مصانع الأسمنت والصلب، والرحلات الجوية الطويلة، وتربية الماشية لإنتاج اللحوم والألبان (ويطلق العلماء عليها ≪الانبعاثات صعبة التخفيف≫). ولكن، ما سر صعوبة تخفيف انبعاثات هذه القطاعات؟ السبب الرئيسي هو أننا نمتلك حاليًا تقنيات محدودة تساعد على تقليل الانبعاثات فيها. فعلى سبيل المثال، لا يمكن استخدام طاقة الرياح والشمس لتشغيل الطائرات، لأن البطاريات الحالية ثقيلة للغاية ولا تخزّن ما يكفي من الكهرباء لإبقاء الطائرة في الجو لفترة طويلة. ويرى الباحثون أن الهيدروجين المُنتج من مصادر الطاقة المتجددة، والمعروف بـ≪الهيدروجين الأخضر≫، يمكن توظيفه في أفران صهر الصلب، غير أننا لا ننتج منه حاليًا إلا القليل، ما يجعل تكلفته مرتفعة للغاية. كما تُمثل الثروة الحيوانية تحديًا آخر؛ فالأبقار والأغنام تنتج انبعاثات الميثان عندما تطلق الريح أو تجتر طعامها، وقد تكون ثمة بعض التقنيات لتقليل هذه الانبعاثات، لكن من المرجح أننا لن نتمكن من إيقافها بالكامل.

ونظرًا لصعوبة خفض الانبعاثات من هذه المصادر، بات من الأهمية بمكان البحث عن بدائل مناسبة؛ حيث يمكن للناس -مثلًا- إجراء تغييرات في نمط حياتهم، مثل تقليل تناول اللحوم أو تقليل السفر جوًا. ومع ذلك، يرى العلماء أن تحقيق استقرار درجات الحرارة العالمية يستلزم منا أيضًا سحب بعض ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، تعويضًا عن تلك الانبعاثات العصّية على الخفض. كما قد نرغب في إزالة بعض ثاني أكسيد الكربون الذي أطلقناه سابقًا إلى الغلاف الجوي. ويمكن تخزين ثاني أكسيد الكربون المُحتجز لفترات طويلة في الأشجار والنباتات الأخرى، والتربة والصخور، أو تحت الأرض في خزانات جوفية عميقة. (راجِع هذه المقالة من this Frontiers for Young Minds لمزيد من المعلومات).

توقفوا عن قطع الغابات، وابدأوا في زراعتها

حين تُقطع الأشجار والنباتات الطبيعية الأخرى وتُحرق، فإنها تنتج كميات كبيرة من انبعاثات الكربون. وعادةً ما تُقطع الأشجار لإفساح المجال لمساحات جديدة لإنتاج الغذاء. ولكن، كيف يمكننا منع ذلك؟ أولًا، يمكننا حماية الغابات الموجودة وزراعة غابات جديدة، وهو ما يُسمى بإعادة التشجير. ثانيًا، يمكننا تحسين إنتاج الغذاء في المزارع الحالية بأساليب مستدامة، بحيث نلبي الطلب المتزايد على الغذاء دون الحاجة إلى استصلاح مزيد من الأراضي. وأخيرًا، يمكننا تقليل هدر الطعام وتغيير ما نأكله؛ فالتحول نحو أنظمة غذائية تحتوي على قدرٍ أقل من اللحوم، لا سيما في البلدان ذات الاستهلاك المرتفع منها، يمكن أن يقلل من المساحات الأرضية اللازمة لإنتاج غذائنا. ناهيك عن أن تغيير النظام الغذائي لا يسهم في حماية البيئة فحسب، بل قد يساهم أيضًا في تحسين صحة الإنسان.

دمج العناصر في مسارات

يمكن للسيناريوهات أن تساعدنا على استكشاف الحلول الممكنة لخفض الانبعاثات مثل: كم نحتاج من الطاقة المتجددة؟ وكيف يمكننا تقليل استهلاك الطاقة؟ ومن بين جميع السيناريوهات الموجودة في الأبحاث العلمية، يقدم تقرير صادر عن مجموعة من الخبراء تُسمى الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ بعض الخيارات المدروسة [14]، يُطلق عليها مسارات التخفيف التوضيحية. تلبي جميع هذه المسارات أهداف اتفاق باريس وتحد من ارتفاع درجة الحرارة لتكون قريبة من 1.5 درجة مئوية، لكن نتائجها ومخاطرها تختلف من مسارٍ لآخر (الشكل 2).

تصور بيانات من لوحين يوضح تخفيضات الانبعاثات اللازمة للحد من الاحترار إلى درجة ونصف مئوية. يعرض اللوح (أ) رسومًا بيانية خطية لتخفيضات ثاني أكسيد الكربون القطاعية من عام 2020 إلى عام 2050، مع تسليط الضوء على الانخفاضات السريعة في إنتاج الطاقة والنقل وإزالة الغابات وإعادة التحريج. يعرض اللوح (ب) رسومًا بيانية شريطية مكدسة للانبعاثات حسب القطاع لعام 2019، وتوقعات لعام 2050 في ظل السياسات الحالية، وثلاثة سيناريوهات لتحقيق درجة ونصف، مع التمييز بين المساهمات من غازات الاحتباس الحراري الأخرى، وإنتاج الطاقة، والنقل، واستخدام الأراضي.
  • شكل 2 - (A) للحد من ارتفاع الحرارة عند 1.
  • 5 درجة مئوية، يجب تقليل الانبعاثات في قطاعات متعددة، وتشمل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن النقل والصناعة والمباني، ومن إنتاج الطاقة والكهرباء، وصافي الانبعاثات الناتج من إزالة الغابات أو إعادة تشجيرها، بالإضافة إلى غازات الدفيئة الأخرى (الناتجة غالبًا من الزراعة وإنتاج الطاقة). (B) أمثلة على مسارات الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية. يمكن أن تكون الانبعاثات سالبة إذا سُحب ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي (كما يحدث عند إعادة زراعة الأشجار). ويوضح الرسم البياني على اليمين ثلاثة سيناريوهات للبقاء دون 1.5 درجة مئوية: مسار الانبعاثات السالبة (Neg)، ومسار الطلب المنخفض (LD) ، ومسار الطاقة المتجددة (Ren). ويظهر العمود الأول الانبعاثات في عام 2019، ويوضح العمود الثاني ما سيحدث في عام 2050 بناءً على السياسات الحالية [3]. الشكل مستند إلى تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ [1, 2].

يعتمد مسار الانبعاثات السالبة إلى حد كبير على تقنيات إزالة ثاني أكسيد الكربون، وتشمل هذه التقنيات إعادة التشجير، واستخدام الطاقة الحيوية المرتبطة بتخزين ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض، أو الاحتجاز المباشر له من الغلاف الجوي. وقد يتيح لنا هذا السيناريو تحولًا أبطأ نسبيًا في الوقت الراهن، غير أنه يلقي بعبء ثقيل على كاهل الأجيال القادمة لتستثمر في تقنيات إزالة الكربون. وتكمن المخاطر في احتمالية عدم فعالية هذه التقنيات، كما أن الكثير منها يتطلب مساحات من الأراضي، ما قد يؤدي إلى منافسة قطاع إنتاج الغذاء.

أما مسار الطلب المنخفض، فيعتمد بشدة على تقليل الطلب على الطاقة من خلال الارتقاء بمستوى الكفاءة وتغيير أنماط الحياة. ويتخيل هذا المسار قدرتنا على تجنب استخدام المنتجات التي لا نحتاجها، وشراء سلع تدوم لفترة أطول، وتقليل استهلاك اللحوم والألبان، والعيش في منازل أصغر حجمًا وأكثر كفاءة. ومع ذلك، يبقى التساؤل حول مدى سرعة وسهولة تبني مثل هذه التغييرات الجذرية.

في حين يعتمد مسار الطاقة المتجددة بدرجة كبيرة على مصادر الطاقة المتجددة، مع افتراض إمكانية دعم هذه التقنيات من خلال حلول تخزين الطاقة وشبكات الكهرباء المتكاملة والمترابطة. كما يتضمن هذا السيناريو أيضًا تحولًا نحو استخدام المزيد من الكهرباء في النقل والمباني، مثل السيارات الكهربائية والمضخات الحرارية. وقد يكون هذا المسار جذابًا، لكنه يتطلب استثمارات ضخمة في الطاقة المتجددة والبنية التحتية للطاقة بدءًا من الآن. وسيؤدي هذا التحول إلى زيادة الطلب على مواد خام معينة مطلوبة لهذه التقنيات، بينما سينخفض في المقابل الطلب على مواد الوقود الأحفوري.

تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ

إن المضي قدمًا عبر أي من هذه المسارات سيكون مليئًا بالتحديات، لكن هذه المسارات تثبت أن الأمر ممكن بالفعل! وهذا هو الاستنتاج الرئيسي لأحدث تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ: نحن نعرف تمامًا كيفية تحقيق أهداف اتفاق باريس. غير أن تحقيق هذه الأهداف للحد من الاحترار العالمي سيتطلب من المجتمع الانتقال إلى مسار مختلف تمامًا، والتخلي عن الاعتماد على الوقود الأحفوري من أجل مصلحة جميع أشكال الحياة على الأرض.

مسرد للمصطلحات

اتفاق باريس (Paris Agreement): هي معاهدة دولية اعتُمدت في ديسمبر عام 2015 في باريس بفرنسا، حيث اتفقت الدول على التخفيف من آثار تغير المناخ من خلال الحد من الاحترار العالمي إلى أقل بكثير من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وبذل جهود حثيثة للإبقاء على الاحترار دون 1.5 درجة مئويةً لحماية كوكبنا.

ميزانية الكربون (Carbon Budget): هي كمية ثاني أكسيد الكربون التي لا يزال بمقدورنا إطلاقها في الغلاف الجوي، مع الالتزام بهدف محدد للحد من الاحترار العالمي.

الانبعاثات (Emissions): هي عملية إطلاق غازات الدفيئة إلى الغلاف الجوي نتيجة للأنشطة البشرية، مثل حرق الوقود الأحفوري.

صافي الانبعاثات الصفرية (Net Zero Emissions): هو تحقيق توازن بين كمية غازات الدفيئة التي تُطلق إلى الغلاف الجوي وتلك التي تُزال منه، وذلك لإيقاف زيادة تغير المناخ.

النماذج الحاسوبية (Computer Models): هي محاكاة حاسوبية لأنظمة تحدد مستقبل تغير المناخ، وتشمل دراسة استهلاك الطاقة وإنتاجها والزراعة والطبيعة ونظام المناخ نفسه، إضافةً إلى العواقب المحتملة مثل ارتفاع مستوى سطح البحر. وتُستخدم هذه النماذج لاستكشاف سيناريوهات أو مسارات ممكنة لتغير المناخ في المستقبل.

السيناريوهات (Scenarios): هي أوصاف لتطورات مستقبلية محتملة تعتمد على مجموعة متسقة من الافتراضات، مثل نمو السكان أو تطور التكنولوجيا. وتساعد السيناريوهات في فهم العواقب المحتملة لمختلف الإجراءات والخيارات.

الطاقة الحيوية (Bio-Energy): هي الطاقة المُنتجة من حرق مواد مصدرها النباتات أو الأشجار، قد تشمل الخشب، أو الوقود مثل الديزل الحيوي المُنتج من المحاصيل الزراعية.

احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه (CO2 Capture and Storage): هي عملية سحب غاز ثاني أكسيد الكربون، غالبًا من غازات العوادم، وربما أيضًا من الغلاف الجوي، ثم تخزينه في خزانات مثل حقول الغاز الطبيعي~الفارغة.

إعادة التشجير (Reforestation): هي عملية زراعة الغابات في الأراضي التي كانت تكسوها الأشجار والغابات في الماضي.

الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC)): هي منظمة دولية تتألف من علماء مُكلفين بتقييم المعرفة العلمية المتعلقة بتغير المناخ وتداعياته.

المسارات (Pathways): هي كلمة تُستخدم بمعنى السيناريوهات.

إقرار تضارب المصالح

يعلن المؤلفون أن البحث قد أُجري في غياب أي علاقات تجارية أو مالية يمكن تفسيرها على أنها تضارب محتمل في المصالح.

شكر وتقدير

أُجري البحث في هذه المقالة بدعم من برنامج أفق أوروبا للبحث العلمي [اتفاقية منحة رقم 101056873 (ELEVATE)] ومنحة ≪GENIE (951542)≫.

إفصاح أدوات الذكاء الاصطناعي

تم إنشاء النص البديل (alt text) المرفق بالأشكال في هذه المقالة بواسطة "فرونتيرز" (Frontiers) وبدعم من الذكاء الاصطناعي، مع بذل جهود معقولة لضمان دقته، بما يشمل مراجعته من قبل المؤلفين حيثما كان ذلك ممكناً. في حال تحديدكم لأي خطأ، نرجو منكم التواصل معنا.


المراجع

[1] IPCC, 2022. “Climate Change 2022: Mitigation of Climate Change", in Contribution of Working Group III to the Sixth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change, eds. P.R. Shukla, J. Skea, R. Slade, A. Al Khourdajie, R. van Diemen, D. McCollum, et al. (Cambridge, UK and New York, NY, USA: Cambridge University Press). doi: 10.1017/9781009157926

[2] IPCC, 2023. “Climate Change 2023: Synthesis Report", in Contribution of Working Groups I, II and III to the Sixth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change, eds. Core Writing Team, H. Lee and J. Romero (Geneva, Switzerland: IPCC). p. 35–115. doi: 10.59327/IPCC/AR6-9789291691647

[3] IPCC, 2022. “Climate Change 2022: Impacts, Adaptation, and Vulnerability", in Contribution of Working Group II to the Sixth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change, eds. H.-O. Pörtner, D.C. Roberts, M. Tignor, E.S. Poloczanska, K. Mintenbeck, A. Alegría, et al. (Cambridge, UK and New York, NY, USA: Cambridge University Press). p. 3056. doi: 10.1017/9781009325844

[4] IPCC, 2021. “Climate Change 2021: The Physical Science Basis", in Contribution of Working Group I to the Sixth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change, eds. V. Masson-Delmotte, P. Zhai, A. Pirani, S.L. Connors, C. Péan, S. Berger, et al. (Cambridge, United Kingdom and New York, NY, USA: Cambridge University Press). p. 2391. doi: 10.1017/9781009157896

[5] Riahi, K., Van Vuuren, D. P., Kriegler, E., Edmonds, J., O’neill, B. C., Fujimori, S., et al. 2017. The Shared Socioeconomic Pathways and their energy, land use, and greenhouse gas emissions implications: an overview. Global Environ. Change 42:153–168. doi: 10.1016/j.gloenvcha.2016.05.009