ملخص
يمكن للعديد من الحيوانات مثل الفيلة والأخطبوطات تغيير درجة صلابة أطرافها وخراطيمها. وهذا يتيح لها التحرك في بيئاتها والإمساك بالأشياء ونقلها من مكان إلى آخر. يريد العلماء تمكين الروبوتات اللينة من القيام بالأمر نفسه من خلال تقنية اسمها الانحشار، وفيها يتم رصّ المواد معًا في الخرطوم لتغيير درجة الصلابة. وتُستخدم هذه التقنية في جميع أنواع الروبوتات اللينة، مثل الأيدي الروبوتية المخصصة لالتقاط الفواكه والخضراوات برفق والبدلات الهيكلية الخارجية والأدوات الجراحية. في هذا المقال، سنتحدث عن الأنواع الثلاثة الرئيسية للانحشار التي تعتمد عليها الروبوتات اللينة وسنبين كيفية الاستفادة منها في الحياة الواقعية. وفي نهاية المقال، سنوضح استخدام تقنية الانحشار لتصميم خرطوم فيل روبوتي يمكنه تغيير درجة صلابته، تمامًا مثل خرطوم الفيل الحقيقي.
ما هي الروبوتات اللينة؟
الروبوتات اللينة هي مجال يتم فيه صنع الروبوتات من مواد لينة وليست صلبة.
ويستخدم علماء الروبوتات اللينة موادّ مثل السيليكون والمطاط والهلام، مما يسمح للروبوتات بتغيير شكلها مثلما تنثني الكائنات الحية وتتمدد. هل تعلم أن المساعد الطبي الودود والقابل للنفخ "بايماكس" في فيلم الأبطال الستة هو روبوت لين؟
تم استلهام بنية بعض الروبوتات اللينة الأكثر نفعًا من الحيوانات الحقيقية. وبالتالي ينبغي أن تحاكي ما تستطيع هذه الحيوانات القيام به، أي أن تكون مرنة بدرجة تتيح لها التحرك بسهولة والتقاط الأشياء والتفاعل مع البيئة المحيطة. على سبيل المثال، فإن مجس الأخطبوط أو خرطوم الفيل ليس لديهما أي عظام، بل يستطيعان التصلب عند الحاجة، مثلاً لالتقاط الأشياء (الشكل 1) [1]. يحتوي خرطوم الفيل على أكثر من 90,000 حزمة من الألياف العضلية، مما يتيح له الإمساك بالطعام بدقة [2] واستخدام أدوات (مثل غصن شجرة) لحكّ جسده [3]. تعمل شبكة العضلات المعقدة داخل خرطوم الفيل معًا عن طريق الارتخاء والانقباض لتوليد القوى التي تحرّك الخرطوم. وتحتوي أطراف الخرطوم على زوائد شبيهة بالأصابع ويمكن أن تزيد صلابتها للإمساك بالطعام قبل وضعه في فمها [4]. وفي الروبوتات اللينة، نستخدم طريقة اسمها الانحشار للسماح بزيادة صلابة هذه الروبوتات، مثلما تفعل الفيلة بخراطيمها.
- شكل 1 - عادةً ما تكون خراطيم الفيلة لينة ومرنة ولكن يمكنها أيضًا زيادة صلابتها للإمساك بالطعام أو الأشياء الأخرى.
مقدمة موجزة حول الانحشار
يتيح الانحشار للروبوتات تغيير شكلها ومدى صلابتها. ويمكن أن يكون الروبوت خاليًا من الانحشار، فتراه لينًا وقادرًا على الحركة والاستكشاف، أو يمكن تنفيذ تقنية الانحشار ليصبح الروبوت صلبًا وماهرًا في الإمساك بالأشياء. سنشرح بعد ذلك كيف تعمل طرق الانحشار الأكثر استخدامًا. وبعد ذلك، سنطبّق الجانب النظري عمليًا ونشرح كيف يمكن صنع خرطوم فيل ليّن.
الانحشار الحبيبي
تخيّل أنك في متجر السوبر ماركت وتمدّ يدك للإمساك بكيس من حبوب الفاصوليا. يبدو لك الكيس المُفرغ من الهواء صلبًا وقاسيًا حيث تتجمع كل حبوب الفاصوليا معًا لتشكّل كتلة متماسكة واحدة.
غالبًا ما تُستخدم تقنية التفريغ الهوائي لتعبئة الفاصوليا وغيرها من الحبوب المباعة في متاجر السوبر ماركت، وهذا لضمان مدة صلاحية أكبر. ويتم ذلك عن طريق سحب الهواء من داخل العبوة لمنع نمو البكتيريا وتقليل حجم العبوة لتسهيل نقلها وتخزينها.
بعد شراء الفاصوليا، تقرر تمزيق الكيس لفتحه. ينكسر الختم الذي يحافظ على التفريغ الهوائي، فيعود الهواء إلى الكيس. يصبح الكيس أكثر قابلية للانضغاط ويمكن لحبوب الفاصوليا التحرك بحرية وتتغير مواضعها عند الضغط على الكيس. تُعرف هذه الظاهرة باسم الانحشار الحبيبي، ويمكن فيها للمواد الحبيبية مثل حبوب القهوة المطحونة والفاصوليا والأرز والحصى والرمال أن تتحول بصورة عكسية من حالة شبيهة بالسائل إلى حالة شبيهة بالمادة الصلبة عند تعرضها للضغط [5]. وعندما تكون المواد الحبيبية حرة الحركة، يكون الروبوت لينًا ومرنًا. ولكن عند تطبيق التفريغ الهوائي، يضغط الغشاء هذه الحبيبات معًا ولا تجد متسعًا لتتحرك فيه، فتكوّن بنية صلبة.
الانحشار الطبقي
تخيّل الانحشار الطبقي مثل تجهيز ساندويتش! فبدلاً من الخبز العادي، نستخدم المواد المسطحة مثل رُزم الورق أو الصفائح البلاستيكية. ونضع هذه الطبقات في غلاف أو كيس، مثلما نلفّ الساندويتش. إذا لم تلفّ الساندويتش بشدة، يمكن أن تتساقط كل مكوناته، ولذلك يجب أن يكون اللفّ محكمًا بما يكفي لإبقاء كل شيء في مكانه. وهذا ما نفعله في الانحشار الطبقي؛ إذ نضغط هذه الطبقات معًا باستخدام التفريغ الهوائي لتكوين بنية صلبة ومنع انزلاق الطبقات فوق بعضها. وعندما تكون الطبقات غير منحشرة (في حالة الضغط العادي)، فإنها تنزلق فوق بعضها بحرية لوجود فجوات من الهواء بينها (الشكل 2). ولكن بمجرد تطبيق التفريغ الهوائي لإحداث الانحشار في البنية، يُسحب الهواء ويضغط الغلاف الطبقات معًا، فتتكون بنية "الساندويتش" المضغوطة. ويتقلص الفراغ بين الطبقات، الذي كان يشغله الهواء سابقًا، وتتراص الطبقات معًا بإحكام. وكلما زاد التفريغ الهوائي، اقتربت الطبقات من بعضها أكثر فأكثر وزادت مساحة التلامس. وبالتالي فإن الاحتكاك بين الطبقات يمنعها من الانزلاق فوق بعضها، فتثبت البنية كلها بإحكام، وتصبح قاسية بالكامل، مثل كتلة صلبة يصعب ثنيها.
- شكل 2 - طرق الانحشار الرئيسية الثلاث المُستخدمة في الروبوتات اللينة.
الانحشار الليفي
تستخدم بنى الانحشار الليفي حزم الألياف المحاطة بغلاف أسطواني (الشكل 2). وتشبه إلى حدٍّ ما الألياف العضلية المحاطة بأغمدة من النسيج الضام. ويمكن أن تُصنع هذه الألياف من مواد مثل البلاستيك والسيليكون والقطن المشمّع، بل وحتى الجلد [6]. وفي الحالة غير المنحشرة (الضغط العادي)، يمكن للألياف في الحزم الانزلاق فوق بعضها بحرية. ولكن عند استخدام التفريغ الهوائي لسحب الهواء كله، يضغط الغلاف هذه الألياف معًا، مما يجعل منطقة التلامس والاحتكاك بين الألياف أكبر، فتزيد درجة الصلابة نتيجة لذلك.
ويشبه هذا كيف تنقبض وتتصلب عضلات ذراع الإنسان عند رفع شيء ثقيل.
JELLYPHANT: خرطوم فيل قائم على تقنية الانحشار الحبيبي
سنشرح الآن كيف صمّمنا روبوتًا لينًا بسيطًا بناءً على الانحشار (الشكل 3A). في هذه الحالة، استخدمنا الانحشار الحبيبي لبناء روبوت لين يحاكي بعض خصائص خرطوم الفيل. كان يتم استخدام الانحشار في السابق لصنع روبوتات شبيهة بخرطوم الفيل يمكنها التحرك بحرية في عدة اتجاهات [7, 8, 9, 10]. بالإضافة إلى ذلك، فإن أنظمة الانحشار الحبيبي غالبًا ما تكون قابلة للتنفيذ في المنزل، وهذا باستخدام الحبوب المتوفرة بسهولة والقليل من الإبداع (أو الطباعة ثلاثية الأبعاد إذا كانت لديك طابعة). ويمكن أن يكون الغشاء عبارة عن بالون أو بعض لفّات الغلاف البلاستيكي الشفاف.
- شكل 3 - (A) Jellyphant، روبوت ليّن مستوحى من خرطوم الفيل قادر على الإمساك بأغراض منزلية، مثل شوكة وقلم وبطاقة من خلال تقنية الانحشار الحبيبي.
- (B) مواد تصنيع Jellyphant.
سمّينا هذا الخرطوم الاصطناعي Jellyphant لأننا أحرار في تسميته، أليس هذا سببًا وجيهًا؟ يتكون Jellyphant من هيكل ليّن، وحبوب شعير، وغلاف بلاستيكي (الشكل 3B). وعلى عكس خراطيم الفيلة الحقيقية التي لا تحتوي على أي عظام أو غضاريف، فلا تزال بعض الروبوتات اللينة تحتاج إلى دعامة هيكلية لتجنّب ظاهرة اسمها الانبعاج (الانحناء غير المرغوب فيه). وغالبًا ما تتعرض هذه الروبوتات للانبعاج عندما تحاول تحمّل وزن. كما في حالة Jellyphant، يلزم غالبًا وجود بنية داعمة مثل الهيكل المرن للحفاظ على الشكل العام للروبوت اللين وضمان ألا يصبح جسمه مرتخيًا أكثر من اللازم. ويتكون الهيكل من صفائح بلاستيكية صلبة تفصل بينها فواصل، ويمر وسطه أنبوب تفريغ هوائي. ويتصل أنبوب التفريغ الهوائي بمكنسة كهربائية منزلية عبر فوهة صغيرة. وبعد ذلك تم وضع غلاف بلاستيكي مشدود حول الهيكل ومليء بحبوب الشعير.
في الحالة غير المنحشرة، يكون Jellyphant لينًا ومرنًا لأن الحبوب تتحرك وتنتقل بحرية داخل الغشاء وحول صفائح الهيكل. وبالتالي يمكن بسهولة تغيير شكل Jellyphant باستخدام القليل من القوة.
ومع ذلك، عند تشغيل المكنسة الكهربائية وانحشار البنية، تصبح صلبة ويمكنها الإمساك بالأشياء. يعرض الشكل 3A الروبوت Jellyphant وهو يمسك بأغراض منزلية مثل شوكة أو قلم أو بطاقة. وهذا ممكن لأن تقنية الانحشار تجعل الحبيبات تتراص بإحكام معًا حول الشيء وتثبته في مكانه.
الخاتمة
في الروبوتات ذات الصلابة القابلة للتغيير، تكون الحالة اللينة مفيدة للمهام الحساسة والحفاظ على سلامة الأشخاص حول هذه الروبوتات ومنع تلفها. على الجانب الآخر، تفيد الحالة الصلبة عندما يجب على الروبوت رفع أشياء ثقيلة والبقاء بشكل معين. باختصار، تتميز الروبوتات اللينة بأنها متعددة الاستخدامات للغاية ويمكنها تغيير أشكالها ووظائفها بسهولة أكبر كثيرًا من الروبوتات الصلبة التقليدية. وفي المستقبل، قد يتم تغيير حجم Jellyphant ليصبح روبوتًا كبيرًا يمكنه المساعدة في العمليات الجراحية. وبما أن هذه الروبوتات لينة ومرنة، يمكنها التحرك بسهولة في الأماكن الضيقة، كما يقل احتمال إضرارها بجسم الإنسان. وأنواع الروبوتات هذه اسمها الروبوتات متصلة الجسم، ويمكن التحكم فيها باستخدام أسلاك أو كابلات متصلة بمحركات، مثل الدُمية التي تُحرّك بواسطة الخيوط.
إن الروبوتات اللينة هي مجال رائع يغير جذريًا طريقة فهمنا للروبوتات وتصميمها والتفاعل معها، ولديه القدرة على تحسين حياة الإنسان. ويبدو مستقبل هذا المجال "قويًا وصلبًا" بحق.
مسرد للمصطلحات
الروبوتات اللينة (Soft Robotics): ↑ مجال في علم الروبوتات يدرس تصميم الروبوتات المصنوعة من مواد مرنة ولينة وإنشاءها والتحكم فيها.
الانحشار (Jamming): ↑ عملية تتيح التحكم في درجة صلابة الروبوتات اللينة.
الانحشار الحبيبي (Granular Jamming): ↑ عملية يتم فيها ضغط الجسيمات الحبيبية معًا في غشاء مرن، فتتحول من حالة شبيهة بالسائل إلى حالة شبيهة بالمادة الصلبة بعد التفريغ الهوائي.
الانحشار الطبقي (Layer Jamming): ↑ عملية يتم فيها ضغط مجموعة من الطبقات أو الصفائح المستوية المحاطة بغشاء مرن بعد تطبيق التفريغ الهوائي.
الاحتكاك (Friction): ↑ قوة تقاوم انزلاق سطحين على بعضهما.
الانحشار الليفي (Fiber Jamming): ↑ عملية تتحول فيها حزمة من الألياف المحاطة بغشاء مرن من حالة لينة إلى حالة شبيهة بالعارضة الصلبة بعد التفريغ الهوائي.
الروبوتات متصلة الجسم (Continuum Robots): ↑ روبوتات طويلة ومتصلة الجسم بها العديد من المفاصل التي تتيح لها الانحناء والالتواء مثل الحيوانات.
إقرار تضارب المصالح
يعلن المؤلفون أن البحث قد أُجري في غياب أي علاقات تجارية أو مالية يمكن تفسيرها على أنها تضارب محتمل في المصالح.
إفصاح أدوات الذكاء الاصطناعي
تم إنشاء النص البديل (alt text) المرفق بالأشكال في هذه المقالة بواسطة "فرونتيرز" (Frontiers) وبدعم من الذكاء الاصطناعي، مع بذل جهود معقولة لضمان دقته، بما يشمل مراجعته من قبل المؤلفين حيثما كان ذلك ممكناً. في حال تحديدكم لأي خطأ، نرجو منكم التواصل معنا.
المراجع
[1] ↑ Manti, M., Cacucciolo, V., and Cianchetti, M. 2016. Stiffening in soft robotics: a review of the state of the art. IEEE Robot. Autom. Magaz. 23, 93–106. doi: 10.1109/MRA.2016.2582718
[2] ↑ Longren, L. L., Eigen, L., Shubitidze, A., Lieschnegg, O., Baum, D., Nyakatura, J. A., et al. 2023. Dense reconstruction of elephant trunk musculature. Curr. Biol. 33, 4713–4720.e3 doi: 10.1016/j.cub.2023.09.007
[3] ↑ Chevalier-Skolnikoff, S., and Liska, J. 1993. Tool use by wild and captive elephants. Animal Behav. 46, 209–219. doi: 10.1006/anbe.1993.1183
[4] ↑ Wu, J., Zhao, Y., Zhang, Y., Shumate, D., Braccini Slade, S., Franklin, S. V., et al. 2018. Elephant trunks form joints to squeeze together small objects. J. R. Soc. Interface 15, 20180377. doi: 10.1098/rsif.2018.0377
[5] ↑ Fitzgerald, S. G., Delaney, G. W., and Howard, D. 2020. “A review of jamming actuation in soft robotics”, in Actuators (Basel: MDPI), 104.
[6] ↑ Brancadoro, M., Manti, M., Tognarelli, S., and Cianchetti, M. 2018. “Preliminary experimental study on variable stiffness structures based on fiber jamming for soft robots”, in 2018 IEEE International Conference on Soft Robotics (RoboSoft) (Livorno: IEEE), 258–263.
[7] ↑ Clark, A. B., and Rojas, N. 2019. “Stiffness-tuneable limb segment with flexible spine for malleable robots”, in 2019 International Conference on Robotics and Automation (ICRA) (Montreal, QC: IEEE), 3969–3975.
[8] ↑ Santiago, J. L. C., Godage, I. S., Gonthina, P., and Walker, I. D. 2016. Soft robots and kangaroo tails: modulating compliance in continuum structures through mechanical layer jamming. Soft Robot. 3, 54–63. doi: 10.1089/soro.2015.0021
[9] ↑ Kim, Y. J., Cheng, S., Kim, S., and Iagnemma, K. 2012. “Design of a tubular snake-like manipulator with stiffening capability by layer jamming”, in 2012 IEEE/RSJ International Conference on Intelligent Robots and Systems (Vilamoura-Algarve: IEEE), 4251–4256.
[10] ↑ Cheng, N. G., Lobovsky, M. B., Keating, S. J., Setapen, A. M., Gero, K. I., Hosoi, A. E., et al. 2012. “Design and analysis of a robust, low-cost, highly articulated manipulator enabled by jamming of granular media”, in 2012 IEEE International Conference on Robotics and Automation (Saint Paul, MN: IEEE), 4328–4333.